خسائر إيران بالأرقام… لبنان يتحضّر للعقوبات

بخفة لافتة، دخل ملف الفيول الإيراني الذي تبرّع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، بجلبه إلى معامل الكهرباء “مجاناً” شرط موافقة الحكومة، إلى ساحة المزايدات السياسية عشية انتخابات الرئاسة الأولى، خارقاً سيادة لبنان ومطيحاً أصول السياسة اللبنانية وأدبيات خصائصها.

ولم يتوانَ الدائرون في حلقة “8 آذار” عن تأييد هدية السيد على الرغم مما تحمّله من سموم، لن تقيها من تداعياتها الكارثية، عمليات استعراض عضلات المواجهة في وجه العقوبات الأميركية. فبعد النائب جبران باسيل، وإعلان نصرالله، وموافقة رئيس الجمهورية، وأخيراً وزير الطاقة، رمى هؤلاء كرة “الموافقة” في ملعب رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، على خلفية “إن لم يقبل الهبة الإيرانية، فسيتحمّل مسؤولية معاناة المواطنين جراء أزمة الكهرباء، ويؤكد تبعيّته للخارج الاميركي والاوروبي، ويفضح تماهيه لا بل مساهمته في الحصار الأميركي ـ الخليجي المفروض على لبنان”، وفق ما ورد في صحيفة “البناء” قبل أيام نقلاً عن “مصادر في 8 آذار”.

هكذا ببساطة صدرت الاحكام بغية “حشر” حكومة تصريف الاعمال ودفعها نحو اتخاذ القرار… لكن، هل تبدو طهران في وارد تلبية نداء نصرالله؟ وأي فيول ستصدره الى معامل الكهرباء؟ وهل يستطيع أي قرار حكومي تحرير النفط الإيراني من العقوبات الأميركية وحماية لبنان من عقوبات جديدة بعدما مرّ “قطوع” شحنات النفط الإيراني على تحذير أميركي من مغبة استيراد الوقود من دولة تخضع للعقوبات؟

ليس خافياً ان ايران ترغب بقوة في العودة الى سوق النفط العالمية بعد أزمة الغاز الروسي، والمرونة التي ابدتها واشنطن حيال تحرير بعض شحنات النفط الإيراني تخفيفاً لأزمة الاتحاد الأوروبي. ويأتي الموقف الأميركي في سياق ما تفترضه الدبلوماسية الدولية مع تقاطع المصالح الحيوية، الامر الذي أتاح لطهران إرسال ناقلاتها النفطية أكثر من مرة الى كراكاس في فنزويلا، على الرغم من خضوع البلدين لعقوبات أميركية.

وعلى الرغم من أن طهران لا تزال بعيدة عن تعديل صيغة “الاتفاق النووي 2015” مع واشنطن، باتت ومع استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد خروج واشنطن من الاتفاق العام 2018، اكثر من مستعدة لإعادة ضخّ صادراتها النفطية في خزانات أسواق جديدة، مع تطلعها الى زيادة إنتاجها النفطي بنسبة 40 في المئة الى 5.7 مليون برميل يومياً انطلاقاً من نحو 3.8 مليون برميل يومياً. إلا ان إنتاج هذه الكميات، وبإقرار من المدير العام لشركة النفط الوطنية الإيرانية محسن خوجاشمهر، يتطلب استثمارات تُقدَّر بنحو 90 مليار دولار، وقال “تبحث إيران في سبل جذب استثمارات إلى صناعة النفط من السوق المحلية والشركات الأجنبية”.

وهذا يعني ان طهران أمام استحقاقين، أولهما تمويل زيادة إنتاجها النفطي، وثانيهما البحث عن أسواق جديدة وتنويع عملائها وتنشيط بعض الأسواق التقليدية، يرجح ان تكون فرنسا من بينها. فهل تقدّم هدية مجانية للبنان وهي في حاجة الى ما يُعيد تصويب انحرافاتها الاقتصادية وتمويل حروبها في العراق وسوريا واليمن ولبنان؟

يقدّر بعض الخبراء ان المصدر الحقيقي للخلل الاقتصادي في إيران يتلخص في نظام تقاسم السلطة السياسية والاقتصادية. وطبقاً لصندوق النقد، يكاد الاقتصاد الإيراني يكون خاضعاً بالكامل لسيطرة جهات سياسية فاعلة. اذ تستهلك 20 ألف شركة عامة 65 في المئة

من الموازنة العامة وتتولى 80 في المئة من الصادرات، فضلاً عن 50 في المئة من التجارة الداخلية. وتبلغ حصة المصارف المملوكة للدولة في السوق نحو 85 في المئة.

وللإشارة فقط، تشير آخر الإحصاءات المعلنة في تموز 2020، الى خسارة الريال الإيراني نحو 80 في المئة من قيمته، فيما حدّد المنتدى الاقتصادي العالمي مطلع العام 2022، خمسة مخاطر يتوجب على طهران مواجهتها وهي: أزمة العمل والمعيشة، خيبة أمل الشباب، الركود الاقتصادي طويل الأمد، أزمة الموارد الطبيعية، فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظام البيئي. وإليها أضاف مركز الأبحاث الإيراني، مخاطر الارتفاع المفرط في مستوى الأسعار وانخفاض التجارة الخارجية.

هذا المشهد القاتم اقتصادياً، لا يوحي بوجود مقدرات عالية لدى طهران لقلب معادلات القوة، حتى ولو استندت الى تحالفها مع موسكو، وتخطيطها لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 40 مليار دولار سنوياً خلال عام ونصف العام. كذلك، لا مؤشرات متفائلة حول تدشين مشروع التعاون المصرفي بين إيران وروسيا والصين، بما يُنهي استحواذ الدولار على الأسواق العالمية.

فهل يغض لبنان الطرف عن تلك الوقائع الاقتصادية والمؤشرات التي باتت أسيرة التصنيف السلبي، ويبادر طوعاً ـ في حال استطاعت طهران تلبية طلب لبنان تزويده بالفيول لزوم إنتاج الطاقة ـ الى التعامل مع دولة خاضعة للعقوبات؟

وفي قراءة قانونية لتداعيات الخطوة على لبنان في ظل قانون العقوبات الأميركي، يقول رئيس مؤسسة JUSTICIA الخبير الدستوري البروفسور بول مرقص لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، يتبارى سياسيون لبنانيون في الدعوة الى استيراد النفط الإيراني مجاناً لتفادي العقوبات… بصرف النظر عن الموقف السياسي أو الحاجة إلى النفط لرفع ساعات التغذية وتفادي العتمة الشاملة، لكن الأمر التنفيذي 13846 ينصّ على فرض عقوبات على كل مَن يُقدِم  على الدخول في صفقات مع شركات نفط إيرانية ولو على سبيل الحيازة أو النقل.

وفي السياق ذاته، تكشف المديرة العامة للنفط أورور فغالي لموقعنا أن “المديرية العامة للنفط قامت بالتحضيرات اللازمة لهذا الموضوع، ووضعت الأسس والقواعد المطلوبة لزوم مؤسسة كهرباء لبنان”. وتتابع، لقد أنجزنا الشق التقني، أما الشق السياسي فهذا شأن الحكومة لا شأننا. عدا ذلك سنقوم بالأمور الإدارية المطلوبة كإخضاع كميات الفيول الإيراني كما أي بضاعة أخرى مستوردة، للفحص المِخبري اللازم للتأكد من تطابق المواصفات، إضافةً إلى طلب الإذن الرسمي للمتطلبات الجمركية وإبلاغ الإدارات المعنية بالأمر.

وتُجري مقاربة بين هذا المشروع وعملية استجرار الفيول العراقي بحيث كان العمل مباشرةً مع الحكومة، وتقول، النفط الإيراني المطروح هو هبة ستتعاطى معه الحكومة دون سواها، بغض النظر عن البضاعة الإيرانية التي تم شحنها في السابق ولم تجرِ عبر القنوات الرسمية والإدارية… أما اليوم فالموضوع مختلف، إذ سترسو الباخرة الإيرانية في ميناء مؤسسة كهرباء لبنان. لذلك يتطلب الموضوع موافقة رسمية من الدولة اللبنانية كي يسمح لها خفر السواحل بالمرور وغيرها من الخطوات الإدارية…

ولم تغفل فغالي التأكيد أن “الموضوع شائك ويتطلب معالجة محددة”، وتقول إن “الغاز المصري لا يزال عالقاً كونه يُستجَرّ بأنابيب تمرّ في الأراضي السورية… وحتى اليوم لم نحصل على الموافقة من الولايات المتحدة لاستثنائه من عقوبات قيصر”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل