لطالما شكّل الجيش اللبناني في التاريخ القديم والحديث نقطة جذب القوى المتصارعة في زمن السلم كما في زمن الحرب. قبيل #الحرب الأهلية، أُبعد عن العمل في الصفوف الأمامية، ومُنع من الحسم، وأُمر بالبقاء في ثكناته، فكانت أحداث 1975، ومعها استفاقت شياطين الانقسامات والانقلابات، فكادت تودي بالمؤسسة العسكرية. واليوم، يُستكمل نهج ضرب الجيش، فتوضع أمامه الخطوط الحمر، ويُقتل ضباطه في تلة سجد وعرسال، وتستمر محاولات إضعافه للسيطرة على قرار المؤسسة بالكامل لمصلحة فريق الممانعة.
اليوم، هناك مَن يرى انّ الأحداث شبيهة بما جرى بالأمس. مشروع إيراني بدل الفلسطيني بوجه المشروع اللبناني. سلاح غير شرعي موازٍ لسلاح الجيش الشرعي.
وقائع تأذن بدخول الحرب من بابها العريض، في ظل انسداد أفق أيّ حلّ للخروج من الأزمة.
لا خيار اليوم إلّا الرهان على الجيش لحماية ما تبقّى من هيبة الدولة والمؤسسات، والأهم، “الكيان”. وما يعزّز هذا الرهان، وجود تخوّف من نيّة لدى “حزب الله” للإطاحة بالمؤسسة العسكرية، بهدف استكمال السيطرة على البلد.
لكن هذا الرهان لا يعني تسليم مقاليد الحكم للجيش اللبناني، فهذا أمر غير واقعي ولا يجد لترجمته سبيلا في لبنان، ولا تنصيب قائده رئيساً، بل تعزيز نقاط قوة الجيش، على نقاط ضعفه المتمثلة بشكل أساسي بأنه ليس هو المحتكر الوحيد للقوة، وبعدم وجود استراتيجية عسكرية متماسكة، بحسب دراسة أعدّها الدكتور أستاذ العلوم السياسية في جامعة أسيوط في مصر عبد الله فيصل علام ونُشرت في مجلة الجيش.
من هنا، الجيش الذي يتقن جيداً فنّ التعامل بحذر مع اللعبة السياسية الداخلية، ويحاول الابتعاد عن تجاذباتها، نجح في أن يحافظ على مساحة مشتركة مع كافة الأطراف، راسماً بشكل مباشر وغير مباشر خطوطاً حمراً للحفاظ على التوازن بحدّه الأدنى، وعلى الأمن الوجودي والاجتماعي للمكونات كافة، وعلى الاستقرار الداخلي بين اللبنانيين، محققاً ثقة شعبية عارمة، بموازاة ثقة كبرى من الدول العظمى.
لذلك، التعويل اليوم وغداً وبعد غد، هو على أن لا تُعاد تجربة 7 أيار 2008، من دون وقوف جيش منيع يحمي اللبنانيين، ولا يرضخ لاملاءات الحزب، محافظاً في الوقت عينه على حدود اللعبة معه، فلا ينزلق إلى مواجهة عسكرية، فيما لا يقبل أن يكون مطيّة له، وأن يكون حامياً لكلّ اللبنانيين كما حصل في رميش أخيراً. وبالتالي، فإنه مع الحاجة الملحّة لإنقاذ الدولة اللبنانية من الانهيار ومن ثم إعادة بنائها، هناك ضرورة ملحّة لتدعيم بناء الجيش اللبناني وتقويته مادياً وقتالياً، إلى تعزيز مكانته كمؤسسة عابرة للطوائف.
وهو اليوم، بات يشكل، في ظل وجود فريق يمتلك السلاح والإيديولوجيا…
– عنصرَ توازن وقوة ردع بينه والفريق المتمسّك بمفهوم الدولة.
– يعرقل بطريقة غير مباشرة استراتيجية الحزب ومشروعه في إحكام السيطرة على البلد من دون “دم” أو مواجهة نارية.
– عامل أمان لتفادي أي نزاع مناطقي أو طائفي يمكن أن يجرّ إلى الفوضى المفتوحة، أو إلى حرب أهلية جديدة.
– عامل اطمئنان للأطراف اللبنانية أن أمنها السياسي والوجودي محميّ، وأيّ تخطٍ لحدود الجغرافيا بين المناطق يكون للتلاقي وليس للسيطرة والإلغاء.
– مساحة مشتركة لعيش التنوع. فاذا انهار الجيش انهارت منظومة العيش المشترك في لبنان كلياً. اذ ليس تفصيلاً عابراً، ان يوجد على رأس قيادة الجيش ضابط مسيحي يعطي أوامر لعسكر مسيحيين ومن طوائف أخرى، هذا الأمر ليس موجوداً إلّا في لبنان.
هذه المعطيات تؤكّد أنّ هناك مصلحة مشتركة للبنان وللدول الغربية في ان يبقى الجيش صامداً، لأنّ انهيار الدولة المركزية في لبنان، وتحديداً انهيار الجيش، سيكون البديل منه:
– أولاً، تعزيز سطوة الميليشيات بغياب السلطة المركزية، والميليشيا الأقوى اليوم هي ميليشيا “حزب الله”، التي ستقوم بتعزيز وجودها العسكري، الذي لن يقتصر على مناطق نفوذ الحزب فقط، بل سيمتد إلى مناطق لبنانية اخرى.
– ثانياً، انهيار الجيش يؤدي إلى عودة التنظيمات الارهابية كـ”داعش” و”النصرة” وغيرهما، وهذه المرّة لن تكون هناك معركة “فجر جرود” يحقق فيها الجيش انتصارات، إنما فوضى عسكرية عارمة ومفتوحة.
– ثالثا، عودة هذه التنظيمات الإرهابية، يعيد عملها لجهة تجنيد أتباع لها في مناطق مختلفة وتدريبهم وتسليحهم وإرسالهم إلى الغرب مثلاً لتنفيذ عمليات إرهابية. وهذا إن كان لا يحصل اليوم فمردّه الى وجود جيش فاعل وقوى أمنية واستخباراتية قوية.
– رابعاً، انّ انفلات الوضع قد يؤدي إلى هجرة غير شرعية إلى الدول الأوروبية والغربية، ليس فقط للاجئين السوريين، إنما ايضاً للبنانيين.
