تانغو الترسيم الإلهي

كثرت الرسائل الحربيّة في اليومين المنصرمين على وقع رقصة التانغو بين المفاوض الأميركي ومنظمة حزب الله الإيرانيّة في لبنان. فالفيديو الذي نشرته المنظمة حول إمكانيّة استهداف منصّات تنقيب العدو ليست إلا رسالة موجّهة للمبعوث الأميركي ومَن يقف خلف هذا الخطّ السياسي بالكامل؛ ومصدر الرسالة يتخطّى الحدود اللبنانيّة إلى ما هو أبعد بكثير. فهل سيتمكّن لبنان الدّولة المفاوَضَة من التغلّب على الدويلة المفاوِضة؟

بالنسبة إلى العدو الإسرائيلي، ترى حكومة العدو بأنّها قدّمت عرضًا يحمل “تنازلاً بالنسبة إلى الطرفين.” وفي هذا العرض يسعى العدو إلى عمليّة ربط نزاع مع الدّولة اللبنانيّة، ليدخل في شراكة مع الشرعيّة من بوّابة الترسيم. لكن ما تريده منظّمة حزب الله يختلف تمامًا عمّا تريده الدّولة اللبنانيّة. ويخطئ مَن يظنّ أنّ هدف المنظّمة هو فقط عمليّة الترسيم وتحقيق المكاسب الموعودة للشعب اللبناني. بل الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، إذ تبحث هذه المنظمة في كيفيّة تحوّلها في المستقبل إلى شريك شرعيّ في المصادر الماليّة الشرعيّة للدولة اللبنانيّة.

ولا يألو جهدًا الأمين العام لمنظمة حزب الله بتذكير اللبنانيّين بأنّ منظّمته تمّ تأسيسها بتكليف شرعيّ من الله مباشرة بقوله في خطابه الأخير “منذ الأيام الأولى في الاجتياح الإسرائيلي لبيروت التقت مجموعة من المؤمنين وبحثوا في سؤال مركزي: ما هو العمل الذي يجب القيام به والذي فيه رضا وطاعة الله والذي بتركه فيه معصية الله؟”، وأضاف “من هنا بدأ التأسيس”. لكأننا لا نزال في عصر صدر الإسلام حيث كان الخلفاء آنذاك يعيدون مرجعيّة كلّ قراراتهم إلى الله ليسكتوا الشعوب فيحكموهم كما يريدون.

بالطبع هذه المسألة لا تنطلي اليوم على اللبنانيّين، ولا حتّى على غيرهم. القناعة الأيديولوجيّة شيء، والإيمان شيء آخر مختلف تمامًا. ونحن نحترم العقائد الإيمانيّة كافّة. كما نريد من الآخر المختلف أن يحترم عقيدتنا الإيمانيّة. ولا نقبل بأن تفرض علينا عقائد أيديولوجيّة، لأنّنا لا نفرض عقيدتنا على أحد. لن نناقش على إيقاع رقصة التانغو الإلهيّة الترسيميّة هذه أيّ قناعات إيمانيّة. فهذا ليس من اهتماماتنا انطلاقًا من كون العلاقة بين الإنسان والخالق هي العلاقة العاموديّة، بينما العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان هي العلاقة الأفقية. فهذه فلسفة الصليب التي تجسّد قناعاتنا الحياتية كلّها. ونحن لنا مع الآخر في علاقته معنا فقط، ولا شأن لنا في العلاقة الإنسانيّة – الإلهيّة- الإيمانيّة التي تربط الإنسان بالخالق.

أمّا حديث سماحته عن “القضاء الإلهي” الذي نصّب نفسه مدّعيًا عامًا في سلكه لتنفيذ الأوامر الإلهيّة، فبالطبع لا نؤمن به. ولا نقبل أن يطبقه أحد علينا في دولة المؤسسات والقانون. نحن نؤمن بالمشيئة الإلهية. لذلك، نردّد ونقول دومًا للربّ: ” لتكن مشيئتك”. إيمانه أنّ الربّ يختار له، بينما إيماننا أنّ الرّبّ قد أعتقنا من العبوديّة للشرّير، وأعطانا الحرّيّة لنختار ما نريد حتّى ندانَ في الدينونة بحسب أعمالنا. لا قضاء ولا قدر، بل حرّيّة وخيارًا. لذلك، لا يمكن لأمين عام المنظمة أن يأخذ اللبنانيّين جميعهم حيث يؤمن أنّ الله بقضائه فرضه قدرًا عليه وعلى مَن اختاره من أصفياء في ملّته الصفويّة.

ومن النعم التي أعطانا إيّاها ربّنا وإلهنا في هذا الوطن هي تلك الثروة من النفط والغاز التي يجب أن نحسن استثمارها وإدارتها على قاعدة استثمار الوزنات العشرة، لا أن نتركها مطمورة في البحر كمن طمر الوزنة لأنّه خاف من أن يحاسَب. ولا نقبل بأن يحدّد لنا أمين عام هذه المنظّمة أو غيره، أو حتّى أيّ دولة عظمى، أميركا أو روسيا أو فرنسا أو الصين أو السعوديّة أو إيران أو غيرها من الدول ما يحقّ وما لا يحقّ لنا.

ولن نسمح لهؤلاء كلّهم أن يأخذونا إلى المخاطرة. فالدّولة وحدها تضمن لنا حقّنا كلبنانيّين جميعًا. وفي عيد جيشها السابع والسبعين، كلّ التأكيد على أنّ المعادلة الوحيدة التي نرفعها في ملفّ الترسيم وفي أيّ ملفّ آخر هي معادلة: جيش وشعب ودولة وسيادة. وليتأكّد هو وغيره وأولياؤه أنّ الله لا يكلّف إنسانًا في الدفاع عن أحد، بل إذا لم يكن الإيمان بالقضيّة اللبنانيّة أوّلاً فدفاعه يعني أنّه ليس في سبيل الوطن الذي نؤمن به. فليدافع عمّا يؤمن به في المكان الذي يؤمن به.

يعتقد أنّه يرقص التانغو مع هوكشتاين ليساعد لبنان وليدعّم عناصر قوّته في المفاوضات. مخطئ بالطبع لأنّه لا يفاوض لأجل لبنان بل لنفسه فقط. مهما أنكر ذلك. وحقّ شهداء الجيش اللبناني وكلّ الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الـ10452 كم2 يصل عندما نصل إلى الهدف. وهو لبنان السيّد والحرّ والمستقلّ على 10452 كم2. وعدا ذلك يكون لمشاريع شخصيّة، وقناعات خاصّة لا شأن لنا بها. ولا غلبة إلا بالتكاتف والتضامن حول مشروع الدّولة ومدّه بالحياة عبر الدستور اللبناني وتطبيق اللامركزيّة الموسّعة وإعلان الحياد الناشط والإيجابي لدولة لبنان الفاعلة في محيطها العربي الاستراتيجي وفي الأسرة الدوليّة.

والأهمّ في رقصة التانغو هذه على مسرح مفاوضات البحر، ألا يجري البحث عن رئيس جديد للجمهورية، بمواصفات صفويّة يحمي أمن الدولة اليهوديّة مقابل استيلاء المفاوِض على الدولة اللبنانيّة، ويكون الحافظ للأبعاد الجغرافية برًّا وبحرًا، والجيوبوليتكية كدولة ساقطة بين عدوّين ودودين، والجيو ـ اقتصاديّة متنازلاً عن دور مع محيطه الحيوي الاستراتيجي خدمة لمشروع طريق الحرير التي قد ترسو في مرفأ حيفا مستقبلاً على وقع تدمير مرفأ بيروت وإخفاء حقيقة تفجيره في الرابع من آب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل