ماذا بعد الحرب على بكركي؟كل الإحتمالات واردة… إستعدوا!

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1731

ماذا بعد الحرب على بكركي؟

كل الإحتمالات واردة… إستعدوا!

إن توقيف المطران موسى الحاج للتحقيق معه لأكثر من عشر ساعات هو بمثابة إعلان حرب على البطريركية المارونية، والتعامل مع هذه القضية لا يمكن أن يكون بأقل من ردّ هذا العدوان الذي أحد أهدافه إسقاط المحرّمات والخطوط الحمر والقول إن فريق الحرب يخوض المواجهة من دون سقوف ولا يستثني أحدًا.

ما الذي تبدّل ليُعلن هذا الفريق الحرب؟ وألم يكن بإمكانه مواصلة سياسة تجنُّب الصدام مع الكنيسة المارونية؟ وهل وجد أن كلفة الصدام تبقى أقل بكثير من عدمها؟ وإلى أين يعتقد أن باستطاعته الوصول في هذه المواجهة؟ وهل أقدم ليتراجع أم لكسر المحظور والتهيئة لضربة أخرى؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

يحاول البعض التعامل مع هذه القضية من منظار قانوني في محاولة للتغطية على البعد السياسي للإستهداف والذي شكل سابقة فريدة من نوعها تلافاها النظام السوري على رغم المواقف العالية السقف والنبرة للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي لم يكتفِ بالموقف السياسي على غرار البطريرك بشارة الراعي اليوم، إنما أقدم على رعاية اللقاء السياسي المعروف بـ»لقاء قرنة شهوان»، وهذا بحدّ ذاته إعلان حرب على الوجود السوري من لبنان بكسره الحظر السياسي الذي كان قائمًا ومنحه المظلة البطريركية لهذا التجمُّع الذي وضع إخراج الجيش السوري من لبنان هدفه الأول، وعلى رغم ذلك تجنّب النظام السوري الصدام مع بكركي، فماذا عدا مما بدا لينخرط «حزب الله» في مواجهة من هذا القبيل؟

يُدرك «حزب الله» حتما أن المواجهة مع الكنيسة المارونية تؤدي إلى شدّ عصب باتجاهين: شدّ عصب مسيحي، الأمر الذي يضع الحزب في مواجهة مع المسيحيين، ويؤدي إلى مزيد من إضعاف شريكه المسيحي المتمثِّل بـ»التيار الوطني الحر»، وشدّ عصب القوى السيادية وتوحيد صفوفها المنقسمة والمشتتة، وبالتالي أين مصلحته في شدّ عصب المسيحيين والقوى السيادية في مواجهته لو لم يجد أن كلفة عدم المواجهة ستكون باهظة عليه؟

كل ذلك يقود إلى خلاصة أساسية مفادها أن «حزب الله» لم يُقدم ليتراجع، ومن هنا يجب توقُّع أي شيء يمكن أن يُقدم عليه في المرحلة المقبلة إستكمالا لهذه المواجهة التي بدأها عن سابق تصور وتصميم تحقيقاً لغرض محدّد، ولا شك أن الأسابيع القريبة ستكشف نياته وأهدافه، وما أقدم عليه يندرج إما في سياق خطوة إستباقية وإما تهيئة لشيء ما.

أولاً، خطوة إستباقية: قد يكون إستهداف البطريركية المارونية بسبب خشية «حزب الله» من التطورات الإقليمية على أثر قمة جدة التي أظهرت نشوء محور إقليمي مكتمل المواصفات ويحظى برعاية أميركية وأجندة واضحة المعالم عنوانها الأول الحدّ من النفوذ الإيراني الإقليمي، وبالتالي خطورة تقاطع هذا المحور مع مرجعية مثل البطريركية المارونية تذكِّر الحزب بالتقاطع نفسه في العام 2005 الذي قاد إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، خصوصًا أن الراعي وضع هدفاً ثابتاً ألا وهو عقد مؤتمر دولي لحلّ الأزمة اللبنانية التي لا يمكن حلّها بحوار بين اللبنانيين.

ومن هذا المنطلق فإن حربه ضد بكركي محاولة لتحييدها وقطع إمكانية تقاطعها مع التطورات الخارجية، أي أنه يخوض مواجهة إستباقية معها تؤدي إلى تعطيل دورها ومنعها من مواصلة مساعيها التدويلية.

ثانيًا، التهيئة لشيء ما: لا يمكن أن يكون إعلان «حزب الله» للحرب على البطريركية المارونية نابعًا من فراغ بسبب إنعكاساته السلبية على الحزب وحليفه العهد، إنما من دون شكّ بأن لهذا الإستهداف هدفاً محدّدًا وكأنه يُعدّ العدة لمرحلة جديدة شبيهة بحقبة تصفية النظام السوري لحساباته مع أخصامه من القوى السياسية في لبنان، ولكن الحزب أرادها مع بكركي مباشرة لشلها وتعطيلها وإرباكها وإفقادها الغطاء الذي يمكن أن توفره لبعض القوى المعارضة التي يريد التخلُّص منها.

ولكن شتان ما بين الزمن الذي أمسك فيه النظام السوري بناصية القرار اللبناني مستفيدًا من ضوء أخضر دولي وتأييد محلي، والزمن الحالي الذي يتخبّط فيه «حزب الله» بأزمة مالية غير قادر على الخروج منها ومعارضة مسيحية وسنيّة ودرزية لدوره وعزلة خارجية والدولة التي يُمسك بقرارها الاستراتيجي في أضعف لحظة سياسية منذ العام 1990.

فمن يريد مواجهة بكركي بهذا الشكل لا يفيده بشيء الإتكاء على قاضٍ يتولى المهمة بالإنابة عنه، إنما المواجهة مع كنيسة متجذرة في أعماق البنية المجتمعية اللبنانية ولديها امتدادها الخارجي يتطلّب وجود دولة قوية وغطاء خارجي وتحالف سياسي عريض قرّر الإنخراط في هذه الحرب، وكل هذه العوامل غير متوافرة، حيث إنه ليس الدولة فقط في أضعف وضعية لها منذ الإنقلاب على إتفاق الطائف، إنما «حزب الله» أيضًا في أضعف لحظة سياسية بعد انتخابات نيابية أضعفت تأثيره في كل الطوائف وأفقدته الأكثرية النيابية، والمحور الذي ينتمي إليه في أزمة وتراجع، وهو فاقد للقدرة على إعادة التوازن للدولة والخروج من الأزمة المالية ورهانه فقط على إسرائيل ليرسِّم معها الحدود علّه يستعيد أوكسيجينه وتوازنه.

ولا يمكن توصيف الحرب التي أعلنها على البطريركية المارونية سوى بكونها تنمّ عن ضعف وغياب للخيارات أمامه ودعسة ناقصة وخبط عشواء بسبب مأزوميته وخطوة في المجهول، ولو لم يكن محشورًا لهذه الدرجة لما أقدم على حربه. ولكونه في موقع الخاسر – الخاسر وجد أن هذه الحرب يمكن أن تشكل له حبل نجاة وحيدًا، إلا أنه بالتأكيد يُغامر على طريقة مغامرته في حرب تموز 2006، حيث يذهب إلى الأمام في كل مرة يرى فيها أنه أصبح في موقع الفاقد للمبادرة، والمحاصر من كل الجهات الداخلية والخارجية، فيعتقد أنه بقلب الطاولة يتمكّن من تجاوز مأزوميته.

وستُظهر الأسابيع المقبلة أن «حزب الله» أخطأ في هذه الحرب لسبب بسيط وهو أن كسر الكنيسة المارونية مستحيل، ولم يكن من مصلحته تحويل المواجهة معها إلى «راس براس»، لأن هذه المواجهة ستؤدي إلى مزيد من الإلتفاف الداخلي حولها، ومزيد من تسريع التدخُّل الدولي لحلّ الأزمة اللبنانية، لأن إستهداف آخر معقل للمسيحية المشرقية ممنوع، ومزيد من إصرار البطريرك الراعي على إنضاج فكرة عقد المؤتمر الدولي.

ولأن «حزب الله» لا يستطيع التراجع والعودة إلى الوراء، فيجب توقُّع أي شيء يمكن أن يُقدم عليه، ولذلك، فإن لبنان دخل في مرحلة جديدة وخطيرة ومفتوحة على شتى الإحتمالات.

 

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل