رفع الدولار الجمركي تدريجياً خوفاً من نتائج القفزات العنيفة

باتت مسألة رفع الدولار الجمركي، شبه محسومة، وأمراً واقعاً على رؤوس اللبنانيين، كسائر النكبات والكوارث التي حلَّت بهم بفعل الإدارة الفاشلة للشأن العام، وذلك من دون أن يترافق مع إقرار خطة شاملة للإنقاذ بسلة إصلاحات متكاملة، وفي ظل تعدد أسعار الصرف في السوق.

وانفلات أسعار مختلف السلع لن يكون مستغرباً، في ظل ضعف الرقابة والمحاسبة، على الرغم من تطمينات بعض المسؤولين المعنيين، التي تبقى مجرد كلمات بلا مضمون بفعل التجارب المرّة مع سلطاتنا الفاشلة. علماً أن نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي، قالها بالفم الملآن، متحجّجاً بأنه “إذا لم تتم الزيادة على الدولار الجمركي فلن يكون بالإمكان تحسين أجور القطاع العام”.

وعلى الرغم من المخالفة القانونية الواضحة، إذ إن القانون أعطى المجلس الأعلى للجمارك والسلطة التنفيذية الممثلة بمجلس الوزراء حق تعديل الرسوم الجمركية وزيادتها، الأمر المتعذر في ظل حكومة تصريف أعمال، غير أن ذريعة “الأوضاع الاستثنائية” جاهزة ليدير “فاخوريّو السلطة دَينة الجرّة” على كيفهم.

وتتردد معلومات عن أن مرسوم تعديل الدولار الجمركي سلك “طريق الاستثناء بالمراسيم الجوّالة”، بدء بتوقيعه من قبل وزير المال يوسف خليل ومن ثم من قبل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وأُرسل إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي لا يزال يتريّث، لكن ليس إلى وقت طويل، وفق كثيرين.

ويوضح الخبير الاقتصادي والمالي جاسم عجاقة، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “في حال كانت النيّة من رفع الدولار الجمركي زيادة مداخيل الدولة، فهذا لن يحصل. وعلى سبيل المثال، إذا كانت الرسوم الجمركية على كونتينر معيّن على سعر الدولار الجمركي حالياً بـ1.500 ليرة، تصبح حوالى 850 مليون ليرة إذا رُفع إلى سعر دولار منصة صيرفة. والتاجر لن يدفع هذا المبلغ من جيبه بل سيحوّله على المستهلك، ما يعني أن الأسعار سترتفع حُكماً، لكن الناس لن تشتري لأن قدرتها الشرائية محدودة”.

ويضيف، “ما سيحصل عملياً هو ازدهار عصابات التهريب من خارج لبنان إلى الداخل، من دون المرور عبر الجمارك. بالتالي، ما يتوقعه وزير المالية من ارتفاع لمداخيل الدولة لن يتحقق، والتهريب الذي سيتضاعف لن يقتصر على المعابر غير الشرعية إنما سيكون في قسم منه عبر المعابر الرسمية”.

ويلفت، إلى أن “النسبة العامة لمعدل الرسوم الجمركية هي نحو 5%، ولنفرض أنهم جعلوها على سعر دولار صيرفة بنحو 25.000 ل.ل، فماذا عن دولار ضريبة الـTVA البالغة 11% وكيف ستُحتسب؟ هل تبقى على دولار الـ1.500 ل.ل؟ وهل يقبل صندوق النقد الدولي بأن تعتمد الحكومة أسعار صرف متعددة مختلفة بين قطاع وآخر ومؤسسة وأخرى من مؤسساتها الرسمية بالذات، وهو الذي يشترط عليها توحيد سعر الصرف عامةً في لبنان؟ بالتالي هل سيلحق دولار الـTVA بالدولار الجمركي؟”.

بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن صوابية رفع الدولار الجمركي من عدمها، يسأل عجاقة، “كيف يمكن أن يسحب المواطن وديعته المصرفية بالدولار على سعر 8.000 ل.ل للدولار الواحد، ويدفع الدولار الجمركي على 25.000 ل.ل تقريباً؟ كيف يمكن إقناع الرأي العام بصوابية هكذا قرار؟”.

ويشير، إلى أن “التجار الذين سيحمّلون تكلفة رفع الدولار الجمركي للمستهلك، سيقبضون ثمن السلع نقداً، في حين أن الكتلة النقدية الموجودة في السوق لن تغطِّي الزيادة على الأسعار التي ستلحق الرسوم الجمركية التي ستصبح بمئات ملايين الليرات. بالتالي سيطالبون مصرف لبنان بطبع المزيد من الليرة، ما يعني حُكماً أنها ستفقد المزيد من قيمتها، ومزيداً من التضخم وارتفاع سعر الدولار في سوق الصرف”.

أما عن إمكان توحيد سعر الدولار في الموازنة العامة وتجنُّب كل هذه المعمعة، فالجواب بالنسبة لعجاقة، أنه “غير ممكن، لأنه يجب أولاً إقرار قانون الكابيتال كونترول لضبط الكتلة النقدية بالدولار في البلد. فالتاجر الذي يقبض من زبائنه بالليرة ويشتري الدولار من منصة صيرفة أو من السوق، ويطلب من المصرف تحويله إلى الخارج لدفع ثمن البضاعة التي يستوردها، من يراقب إذا تم بالفعل استيراد بضاعة بالقيمة التي تم تحويلها إلى الخارج بالدولار؟ الجواب، لا مراقبة”.

ويضيف، “هذا ليس كما يصوِّر البعض (فريش دولار)، بالمفهوم النظري البحت، هو دولار نقديّ لكن ليس (فريش)، لأنه دولار يؤخذ من السوق اللبناني. وإذا لم يتم ضبط هذه المسألة، لا يمكن بأي طريقة ضمان توحيد سعر الصرف. إذ في حال حدَّدت الحكومة سعر صرف في الموازنة، مع تهريب الدولارات إلى الخارج سيرتفع سعر الدولار مقابل الليرة، وتقع الموازنة في عجز مباشرة”.

ويشير، إلى أن “تهريب الدولارات يتم أيضاً عبر الحدود عند تصدير بضائع إلى الخارج. فهذه البضائع يتمّ شراؤها بدولارات من السوق اللبناني ويُقبض ثمنها في الخارج، وتبقى الدولارات هناك، ما يعني استنزاف الكتلة النقدية بالدولار من لبنان. فمن يراقب ما إذا كانت دولارات البضاعة المصدَّرة التي يُقبض ثمنها في الخارج يعاد إدخالها إلى لبنان؟”.

بالإضافة إلى ذلك، لا يرى عجاقة “إمكانية لتوحيد سعر الصرف ما لم يتم ضبط الإنفاق العام، وطالما بقيت تجارة الشيكات قائمة، وما دام هناك مفاضلة بين مسألتي (الكاش) والبطاقات المصرفية. فلضبط الكتلة النقدية، ليرة مقابل الدولار، يجب على الدولة أن تفرض على التجار، بشكل أو بآخر، قبض ثمن السلع من المستهلك بواسطة هذه البطاقات”، لافتاً إلى أن “أي تصفية حسابات تجري بين التاجر والمصرف ومصرف لبنان، ولا علاقة للمواطن بها. فضلاً عن أن تعامل التجار بالمال النقديّ فقط، يحتمل نوعاً من أنواع التهرُّب الضريبي وعدم التصريح بشفافية عن كل الأعمال التجارية”.

ويشدد عجاقة، على أنه “لضبط سعر الصرف يجب تحفيز النمو الاقتصادي، لأن ثمة علاقة ميكانيكية بين النمو واستقرار سعر الصرف”. ويؤكد، أن “رفع سعر الدولار الجمركي ليس بعملية سهلة”، معرباً عن اعتقاده بأنه “سيتم بشكل تدريجيّ وعلى مراحل، وستكون بداية زيادته أقل من 8.000 ل.ل، على أن يتبعها رفعه إلى 8.000 ل.ل، مروراً ربما بـ12.000 ل.ل، وصولاً إلى سعر منصة صيرفة، ولن يتمّ الأمر بضربة واحدة. وذلك للأسباب التي أشرنا إليها، وعملاً بمبدأ أن القفزات العنيفة تولِّد نتائج غير متوقعة”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل