نبيل وينك؟… 4 آب يا يسوع

لم أفقد غالياً ولكن لا انسى. في 4 آب 2020 فقدت جزءا كبيراً من حالي في تلك اللحظة، ولا تزال شاردة هناك فوق أنقاض بيروت أمشي فوق الزجاج، وأشلاء الابرياء متطايرة فوق الحيطان المتهالكة، والدنيا غيوم سوداء والزجاج ينهمر من سماء، لا هي سماء ولا هي أتون نار ولا هي جحيم، لا اعرف توصيفها، اعرف اني كنت تائهة بين الاف التائهين الموهولين أبحث عن أخي نبيل، ولا اعرف ما اذا كان قد ابتلعه ركام جريدة “النهار”، ام هو تائه لا يجد من يضمّد جرح قدميه.

لم أترك سيارة لم أُدخل رأسي بها علّ أحدهم قد اقلّه، وقفت في منتصف الطريق والسيارات محتجزة وسط الهول، الهول الذي لا يمكن حتى اللحظة توصيفه، أبحث عن وجه اخي، واذ بي أسمع صوتا يصرخ فيرااااا، كان نبيل، كانت الحياة، كانت السعادة وسط هول المجزرة، أخي حي ينده علي يا ربي شو هالنعمة!

هرعت باتجاه الصوت ووجدت نبيل في سيارته ينزف من قدميه، حاولنا اختراق الصيدليات وما استطعنا، وقفت على باب احداها أصرخ وأرفس الباب المقفل بقدمي، فتحوا ليتخلصوا مني، لم تنفع ضماداتهم، فجرح نبيل يحتاج مستشفى، ولا مكان لجروح مماثلة في ما تبقى من مستشفيات بيروت المدمرة.

حاولنا العودة الى جونيه استغرقت رحلتنا من الاشرفية الى ساحل علما ست ساعات، تمكنا خلالها من التوقف عند احدى الصيدليات في انطلياس، حيث حاول الشباب ايقاف النزيف وما نجحوا، وصلنا بيت نبيل وكان جاد ابنه، جراح العظم، رفض ان يدخل والده المستشفى خوفا عليه من التقاط كورونا، وبدأ يطببه عبر الهاتف من أميركا. وبعد نحو ثماني ساعات من النزيف المتواصل توقفت الدماء أخيرا، وبدأ نبيل يستعيد قواه، تهالكت على الارض في منزله وبدأت استذكر ما حصل…

لا يمكن، لا يمكن حتى اللحظة الخروج من تلك اللحظة، من الساعة 6 وست دقائق من ذاك الـ4 اب 2020، حتى لحظة كتابة هذه السطور ودوي التفجير الارهابي يدوي في داخلنا ويدخلنا في ما هو أبعد بعد من الرعب، اليأس، الالم هيك الغميق الغميق الذي لا يقارَب، الغضب، الغضب المكبوت الذي لا نعرف كيف نفجّره ونريد أن نفعل ليكون مثل تفجير 4 آب، شرط ان يتفجّر بهم وحدهم، في من فجّر بيروت وكان يعلم انها في خطر وصمت، وفي من وضع الامونيوم غير آبه بالناس والمدينة، في ذاك العهد، في تلك السلطة، في ذاك الاحتلال الارهابي المتوحش.

لم يمت لي غالياً في 4 آب، دُمر بيتنا بشكل جزئي في الاشرفية، كنا الاقل تضررا من الجميع، لكن لـ راحوا بـ 4 آب كنا نحن، كان وطننا، بيروتنا، نبضنا، أشلاؤنا هناك لا تزال مشلّعة ملتصقة على حيطان بيروت تنتظر العدالة لازالتها وتعليق أسماء من شلّعها، واحدا واحدا، مرتكبا مرتكبا.

لم أخسر أحدا قريبا مني في 4 آب، لكن لا أستطيع الخروج من تلك اللحظة غير الموصوفة، فماذا يفعل اذاً من استشهد له أهل وأبناء وأقارب، وخسر كل جنى عمره بلحظة ارهاب غير مسبوقة في تاريخ البشرية؟!

بماذا يشعر الاهالي المنكوبين بأولادهم وأقاربهم، وسلطة العهر والكفر تمرجحهم يمينا شمالا وفي الاتجاهات كافة، كي لا يصلوا الى الحقيقة والحقيقة واضحة كالشمس، والقاضي بيطار يكاد يلفظها وهم يمنعونه ويهددونه ويخوّنونه، وقد يخوّنون الاهالي حتى لانهم يتجرأون على المواجهة والتحدي وفضح الحقائق بالاسماء والمواقع والوثائق الدامغة، ويطالبون باستكمال التحقيقات، في حين تقف السلطة ببدلتها الفاخرة على ركام الاشلاء البشرية وتعلن “التلاتا الجايي بيكون خلص التحقيق”، ويقف أسياد الاحتلال يضحكون في عبّهم، يسخرون من الاشلاء المشلّعة، وهم يعرفون ان الثلاثاء الموعود لن يأتي ابدا ما داموا هم على سدة السلطة على رأس الاحتلال…

لم أفقد غالياً في 4 آب، لكن لـ راحوا كأنهم نحن، كلهم غاليين، نعرفهم ام لا نعرفهم، صرنا معهم أشلاء ننده من تحت الركام، “العدالة، العدالة، العدالة لننام في بيتنا الابدي ونرتاح”، لم يذهبوا بعد الى بيت الابد، لا يزالون هناك فوق بقايا بيروت يهيمون على وجوههم المدممة، تائهون بين أرض وسماء، حزانى بائسون ينظرون الى اشلائهم ولا يستطيعون التقاطها، وحدها العدالة ترمم تلك الوجوه بالامل وتعيدهم سالمين الى بيت الابد، الى احضان الرب هانئين، بينما يستذكر المجرم الذي خزّن وفجّر، والاكثر اجراما الذي علم وصمت، يستذكر ويطلق في يوم الذكرى تصريحات “معزية مستنكرة” داعية الى كشف الحقيقة، والاهم يبدون كامل “أسفهم” لفقدان الضحايا ويعلنون استعدادهم للمساعدة!!! هل هناك عهر أوقح بعد من ذاك؟ هل تسمع ربي؟ هل ترى ما يجري في لبنان؟! طيب الى متى ستمهل يا الله واشلاؤنا تبكي فوق أشلائها؟!

اما انتِ يا بيروت، يا مدينة الزمن، يا المدينة المقاومة المناضلة المجرّحة بالخيانة والعمالة حتى التفجير، ستبقين مدينة الزمن وكل الازمان، ستعودين المدينة الراسية على شاطىء الشرق ذاك، ترقص خيالاتك المبدعة على شاطىء الحب والحرية والعدالة. ستبقين مدينة القلب لو تدمم قلبك، وستعود الايام وسنشهد معا يا حلوة المدن، على رقصة العدالة فوق شواطئك المتلألاة بالحياة والمجد والابداع، وستضحك عيون شهداء التفجير الارهابي ذاك، حين يرونك بثوب الحرير تعلنين العدالة، تعلنين الحياة، تعلنين القيامة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل