الإستحقاق الرئاسي وفرصة التغيير من شعار إلى واقع

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1731

لا تنحصر أهمية الإستحقاق الرئاسي هذه المرة بشخص الرئيس العتيد وخياراته والإصطفاف أو الإنقسام حوله، بقدر ما تتعلق بمصير لبنان وطناً ودولة. فأي رئيس سيكون ولأي جمهورية؟ وهل الجمهورية التي سيقودها ستبقى الجمهورية الثانية أم ستكون الجمهورية الثالثة؟ وهل ستستمر جمهورية ديمقراطية فعلية، أم ستستحيل جمهورية من جمهوريات الموز. وهل ستعود جمهورية مستقلة وسيدة، أم ستكون مجرد إقليم أو ريف لريف؟ وهل ستبقى جمهورية موحّدة أم ستتحول بلدًا متشظيًا أو مجموعة جمهوريات ذاتية بحكم الأمر الواقع؟

أسئلة كثيرة سنفهم بعض أجوبتها إنطلاقا من مآل الإستحقاق الرئاسي وماذا يُراد له أن يكون: إستمرار للإنهيار والتفكك أو فرصة للنهوض واستعادة الدولة من الدويلة؟

إن «حزب الله يتصرف أكثر فأكثر بمزيج من الإرتباك والعصبية، مدركا أنه على المحك وساعيًا إلى مراجعة صعبة ودقيقة لحسابات الربح والخسارة، وما إذا كانت مصالحه ومصالح إيران يمكن تأمينها بانتخاب رئيس يرشحه ويدعمه أم تكون بتعطيل الإستحقاق الرئاسي في ظل إستمرار الضغط الدولي على إيران وتعثر المفاوضات النووية؟

الواضح حتى الآن أن لعبة الصولد التي يلجأ إليها «حزب الله»، يحاول إمرارها بتذاكٍ وبشكل غير مباشر أحياناً، متوسلاً قنوات وأساليب يستغل من خلالها الدولة ومؤسساتها بغطاء من الرئاسة الأولى ومن التيار الوطني الحر. والهدف هو تعبيد الطريق أمام إستمرار القبض على أزمّة القرار الرسمي سواء عبر حلفاء يوزعهم على مواقع السلطة، أو عبر رفع ورقة التعطيل والإفادة من الشلل لتعميم الفوضى والضياع لمصلحة الإمساك أكثر بمفاصل الدولة. وليس أدل على ذلك أكثر من تعاطيه النافر مع ملف الترسيم البحري من جهة، ورفع سيف التحدي السافر في وجه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، ردًا على مواقفه السيادية، ولا سيما في ما خص الإستحقاق الرئاسي والرئيس العتيد ومواصفاته.

لقد تمادى «حزب الله» وذهب بعيدًا في الإستخفاف بالدولة والمؤسسات، بدءًا برئاسة الجمهورية في ما خص النزاع مع إسرائيل حول الحدود البحرية الجنوبية. فبعدما أعلن وقوفه خلف الدولة في طرحها للخط 23 مع إستثناء حقل قانا المفترض والمساحة الموازية له، عاد إلى اللعب على وتر الخط 29 سواء عبر إثارة خرائط الترسيم القديمة التي تعود للعام 1923 ونقطة الإرتكاز البرية في رأس الناقورة، أو عبر السعي لإمرار تعديلات من الباب التشريعي على موقف الحكومة من الخط 23.

ومعروف أن المفاوضات الدولية بحسب الدستور اللبناني يقودها ويتولاها رئيس الجمهورية سواء مباشرة أو عبر من يكلفه بالمهمة، فأين إحترام هذا النص الدستوري، لا سيما عندما يُقرّ «حزب الله» إرسال مسيّرات هي بمنزلة رسائل لإسرائيل وللأميركيين بأن ما يهم «حزب الله» أن يتم التعاطي معه عمليًا، وأن موقف الدولة اللبنانية ورئيسها ما هو إلا صدى لموقف الحزب. وهذا يعني أن الحزب يريد منذ اليوم إما أن يلزم الرئيس العتيد بأجندته وشروطه، وإما أن يستغل التعطيل ليتصرف بما تمليه عليه إيران وحساباته الخاصة، طالما أن البلاد في حالة إنهيار وشلل.

والخطر الكامن هو في أن نصل إلى مرحلة يرتب فيها الحزب تسوية معينة مع إسرائيل على حساب الدولة اللبنانية وسيادتها وخزينتها، الأمر الذي قد لا تمانع حياله إسرائيل طالما أنها تحفظ مصالحها، ولعل رغبة الحزب المبدئية في وصول سليمان فرنجية للرئاسة تفترض بناء على قراءته الخاصة، سهولة في عقد الصفقات والتسويات، لا سيما وأن فرنجية زعيم محلي يفتقد إلى البعد الوطني، بل إن الانتخابات الأخيرة حجّمت زعامته المحلية، ما يجعله في موقف أضعف ويمكن تاليًا التحكم بهوامش قراراته وحركيته، فضلاً عن أن وجوده في قصر بعبدا سيسهّل أيضا ترتيب الأمور مع النظام السوري حيال البلوكات البحرية الشمالية بما يرضي هذا النظام.

ومن هنا ضرورة أن يعي جميع السياديين والمستقلين والتغييريين في المجلس النيابي أن توحّدهم على معايير ومواصفات بالحد الأدنى وصولاً إلى إمكان التوافق على إسم أو أكثر لطرحه في ساحة الإستحقاق الرئاسي، هو أمر مفصلي لا بد أن يُسهم في تعديل مسار الإستحقاق وفي إعادة خلط الأوراق ونقل الإحتمالات من ضفة إلى أخرى.

أما في حال التعطيل، فإن ما يريده الحزب هو طرح صيغة لبنان وتركيبته على الطاولة من باب مؤتمر تأسيسي والترويج للمثالثة الصريحة والمقوننة، وهذا ما يفسر بعض الإشارات الملغومة التي تخيّر اللبنانيين بين القبول بالواقع مع ترك التركيبة الحالية قائمة شكلاً وبين الخضوع لمنطقي القوة والعدد.

في أي حال، معلوم أن كل رئيس جمهورية في أواخر عهده يسعى الى تبييض صفحته مع الساحة المسيحية وتلاوة فعل الندامة عن بعض مواقفه وممارساته التي لم تتوافق مع تطلعات بيئته، أو على الأقل أن يستعيد النفس السيادي ويصحح بعض التوجهات بما يجعله يخرج من القصر وقد استعاد بعضًا من الصدقية، لكن ما نشهد اليوم هو إغراق في الشطط والإستسلام للدويلة ورهان ولو شبه يائس على الوراثة، وحتى في حال تعثر الوراثة يتركز الرهان على زرع المحاسيب والأزلام وربط الكثير من الملفات بوزير البلاط كي يؤمن حضوره داخل الدولة في المرحلة المقبلة لا سيما إذا طال أمد التعطيل.

إن فرصة وصول رئيس معتدل أو وسطي أو مستقل، ممكنة جدًا، إذا ترافقت هذه الصفات مع النزاهة والحس الوطني السيادي بالحد الأدنى، واذا أقلع البعض عن الأنانيات وتجرَأ على كسر بعض الشعارات التعجيزية، والتي تبدو هامشية وسخيفة حيال إستحقاق يمكن أن يكون بحد ذاته بابًا للتغيير الجدي.

وهل أفضل من المثل الذي قدمه سمير جعجع عندما انسحب من المعركة الرئاسية على رغم حصوله على أكثرية نسبية، بعد تعطيل النصاب تكرارًا وإصرار حزب الله على مرشحه مقابل تمسك الرئيس سعد الحريري بالتسليم بخيار «حزب الله»، فاقترح جعجع من بكركي مرشحًا وسطيًا، لكن إصرار الحزب وجماعة 8 آذار على مرشحهم والموقف التسووي للرئيس الحريري، ولو على حساب قناعاته السيادية وعلى حساب الأكثرية النسبية لـ14 آذار في ظل التموضع الوسطي لوليد جنبلاط آنذاك، كلها عوامل إلتقت على تغليب فرصة الرئيس عون، والنتيجة واضحة، علمًا أنه كان يمكن لعهد عون أن يكون من أفضل العهود لو شاء وتخلّص من لوثة الإستئثار ومنطق المحاصصة وتبادل الخدمات مع الحزب الحليف.

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب «القوات اللبنانية» لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل