٤ آب في عامه الثاني: السعي لمحو الذكرى مستمرّ

 

هل هي الصدفة أم هو القدر أم الاثنان معاً اللذان جعلا من الذكرى الثانية لتفجير مرفأ بيروت، ذكرى أولى لبدء العدّ العكسي لسقوط آخر المعالم الشاهدة على جريمة العصر، بانهيار الصوامع؟

 

ليس صدفة ولا قدراً ذلك التزامن بين ذكرى لا تزال تفجع قلوب الشريحة الأوسع من اللبنانيين والمتضامنين مع تلك المأساة التي أودت بحياة أكثر من ٢٢٠ ضحيّة، وبين قرار مسبق ومتعمّد اتخذته السلطة السياسية بإسقاط الأهراء، بترك النيران تلتهمها لأسابيع، بعدما فشلت في استصدار قرار هدمها تحت وطأة معارضة أهالي الضحايا، علماً بأن هذه المعارضة لم يكن مقدّراً لها أن تكون لو نجحت السلطة في تحقيق العدالة وإظهار المجرمين الذين تسبّبوا عن قصد متعمّد أو عن إهمال واستهتار مدعّم بفائض قوة سياسي بتعطيل التحقيقات وكل الإجراءات المرافقة أو المسهّلة له.

 

لم تُدعّم الأهراء، ولم تُتّخذ أيّ إجراءات جديدة لمقاربة وضع المرفأ منذ انفجاره، بالتوازي مع مسار التحقيق. جلّ ما حصل، بقرار من القوى السياسية صاحبة النفوذ، أن تعطل التحقيق، وتعطلت أيّ معالجة لإعادة العمل بالمرفأ، رغم أن الحاجة باتت ملحّة لإعادة تأهيل الأهراء في ظل أزمة القمح بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، والحاجة القصوى الى تأمين مخزون استراتيجي لحماية الأمن الغذائي في البلاد والحؤول دون تحكم مافيات الطحين بحركة العرض والطلب.

 

عامان انقضيا ولم يلمس اللبنانيون أيّ تعاطٍ جدّي مع مأساة المرفأ بكل أبعادها الإنسانية والقضائية والاقتصادية. وبدا من التوقيت المريب لسقوط أجزاء من الصوامع أن ثمة من أراد أن يشكل هذا الأمر تهديداً للسلامة العامة، على نحو يلزم اللبنانيين الابتعاد عن المرفأ ومسافات كبيرة في محيطه، بعدما صدرت تحذيرات لافتة ولا سيّما عن وزارة الصحّة بضرورة اتخاذ إجراءات وقائية.

 

أمام هذا الحرص الرسمي المفاجئ، تراجع زخم التحرّكات الشعبية التي كان يمكن أن تحصل، واستُعيض عنها بوقفات احتجاجية وتضامنية، وسط سؤال واقعي جداً: هل كان التهديد بسقوط الأهراء سبباً لعدم حصول تحرّكات شعبية واسعة، أم ان ذلك التهديد أنقذ المعترضين فأعطاهم الذريعة لعدم إظهار عجزهم وضعفهم عن تجييش الشارع؟ وهذا السؤال يقود الى سؤال آخر: هل خفت النبض الشعبي ودخل المحتجّون والمعترضون في لعبة التكيّف والتخدير، ففقد الحراك الشعبي زخمه ونبضه، رغم أن الغاية منه لا تزال جاثمة ولم تتحقق أيّ من المطالَب المحقة للمتضررين عموماً وذوي الضحايا خصوصاً؟

 

لم تعكس الحركات الاحتجاجية في الرابع من آب حجم الأزمة المتفاقمة يوماً بعد يوم. فجاءت خجولة، ضعيفة، مقتصرة على وقفات تضامنية ورفع صلوات واستذكار للمأساة عبر شهادات حيّة جديدة تعيد نكء الجراح التي لم تُشف على مدى العامين الماضيين.

 

في المقابل، لم تشكّل الذكرى حافزاً لإعادة تحريك ملفّ التحقيقات، والدفع نحو الإفراج عن مرسوم التشكيلات القضائية الذي من شأنه أن يتيح للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار استئناف عمله وإصدار قراره الظني.

 

في أوساط ذوي الضحايا والمتعاطين بهذا الملف في شقه القضائي معلومات عن تركيز التحرّك في المرحلة المقبلة في الاتجاه السياسي، بعدما تبيّن لهؤلاء عقم أي تحركات أخرى في ظل غياب أي إحساس بالمسؤولية لدى أيّ من السلطات الفاعلة. والتحرّك سيركز على محورين: الأول في اتجاه تحرير القاضي بيطار من القيود السياسية الداخلية التي تعيق صدور القرار الظني، والثاني من خلال الدفع نحو المطالبة بتحقيق دولي إذا استمرّ تمييع التحقيق ولفلفته. أما الخطوة التي قام بها المجلس النيابي بانتخاب الأعضاء النواب في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، تمهيداً لإحالة ملف التفجير إليه، فلا ترى الأوساط في الإجراء قراراً جدّياً بتحريكه، بل مجرّد موجب قانوني ودستوري نزعاً للمسؤولية عن عاتق المجلس الذي يبقى اليوم المرجع الأخير في إعادة إحياء الملف عبر إحالة المتهمين من النواب الى المجلس الأعلى.

 

في الخلاصة، مرّ يوم الرابع من آب حزيناً، أليماً، خالياً من أية توقعات أو آمال بأن ثمة في السلطة من يعمل فعلاً من أجل إظهار الحقيقة. وقد أضاف سقوط جزء من الصوامع رمزية موجعة، تشي بأن التفجير مستمرّ، ومحو كل ما من شأنه أن يحفظ للذكرى مكاناً على تلك المساحة من الوطن التي روتها دماء بريئة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل