آخٌ على وجودنا

لأول مرّة، أجدني أتجاوز تحصيني الهادئ، منساقاً لطرح إشكاليّة تقضّ مضجع الكثيرين من الذين تجذّروا في هذه الأرض، من المسيحيّين خصوصاً، وهي: هل لا زال وجودنا، في الوطن، يعني شيئاً؟

إنّنا نشهد، في هذه الأيام الرديئة، محاولة ردّنا الى قرون الظّلام، وإجبارنا على الانفصال عن ترانيم حريّتنا، بل عن وجودنا بالذّات. ونجد بعضنا، أمام هذا الخطر، يشكو، فإذا كانت الشّكوى ضروريّةً للترويح عمّا تعانيه النّفس من قلق، غير أنّ الشّكوى ليست، في النهاية، حلّاً، وكذلك البكاء.

نحن نعلم، تماماً، أنّ تمسّكنا بهويّتنا هو إصرارٌ على بقائنا دفاعاً عنها، ونعلم، كذلك، أنّنا أكثر الشّرائح قدرةً على الاندماج، والتّعايش مع مكوّنات أخرى نختلف معها إيديولوجيّاً، ودينيّاً، وثقافيّاً، وذلك بالرغم من مخططات تذويبنا المتعاقبة، ومن استبداديّة المتسلّطين الذين أحكموا قبضتهم على وجودنا، ربّما تماهياً مع مؤامرة إفراغ الشرق منّا، وإصبع الإتّهام يشير الى أكثر من جهة.

ونعلم، أيضاً، أنّنا قيمةٌ مضافةٌ، وأنّ دورنا الرّائد في ضخّ دم الحضارة والتمدّن في لبنان، وفي المنطقة، قد أسهم، وبشكل فاعل، في نهضة بلادنا، على مستويات الحريّة، وحقوق الإنسان، ما جعل من وطننا نموذجاً مميزاً أبقى للكرامة، في الشرق، موطئاً. وقد دفّعنا، لصيانة هذه الكرامة، شلّالاً من الرّجال قضوا فداءً لقناعاتهم الوطنيّة، وشهادةً لمعتقدهم الإيماني.

ومع ذلك، استمر المهووسون بالحلّ القمعيّ يحكمون القبضة ترهيباً، واحتراباً، وتعدّيات، ليختزلوا عناوين وجود لبنان بعنوان واحد إلزاميّ، ولينوب رأيٌ عن جميع الآراء. وهذا يعني، بالتّمام، نسج وصاية ثيوقراطيّة عنصريّة تبدأ بالعزل، وتنتقل الى التّذويب، انتهاءً بتفريغ البلد منّا، لأخذه حيثيّةً كولونياليّةً في محور رجعيّ يؤمن بثقافة الموت.

لقد أفهمْنا، منذ كنّا على هذه البقعة المقدسة من الكون، أنّنا أقليّةٌ في أكثريّات مغايرة، وقد رفضنا هذه المقولة التي تقوّض العيش الأهلي المتداخل، وفرصة التّشارك في الكيان، والمصير. واعتبرنا هذا المنحى خللاً بنيويّاً لا يمكن إزالته إلّا بالمزيد من الانفتاح، والتّوازن بالحقوق، لكنّ الميل الطّائفي المتزمّت، والمتضخّم نحو طائفة بعينها، انطوى على نظرة دونيّة لسواه، فتشكلت معضلةٌ أساءت لمسيرة العيش المتكافل، وحوّلت زماننا الى عصر ظلام وظلم.

إنّ تفاقم الأزمة تبدّى، واضحاً، في مضامين الخطابات التّكفيريّة، البلديّة والمستوردة، والتي عمقت الهوّة بين شرائح النّاس، فبدلاً من أن نعاين حواراً إيجابيّاً بين الحضارات والثقافات، نشأ خوفٌ على رماد هذه الحوارات، لتتحول الى صراع يخفي، في طيّاته، أهدافاً مريبةً يطال خطرها وجودنا بالذّات.

لقد قام المسيحيّون، وانطلاقاً من تعليمهم الخلاصيّ، ومن إيمانهم بلبنان كياناً سيّداً نهائيّاً لكلّ أبنائه، بفتح كوة للعبور الى التّلاقي، مادّين اليد للتّشارك في العيش الكريم، المبنيّ على احترام الآخر، وصون الحريّة، والدّفاع عن الأرض، وتمتين العدالة، والإعتراف بحقّ الإختلاف من دون الخلاف… لكنّ هذه القيم أصبحت، مع المتطرّفين، في خبر كان.

من المؤسف أنّ منْ في السلطة، من المسيحيّين وسواهم، يتناطحون لتأمين مصالحهم، خاضعين لأبوّة جديدة تديرهم، هم يؤمّنون لها تغطيةً شرعيّةً، وهي تسدل السّتار على مافياويّتهم، وفسادهم، وهذا، بالذات، أدخل المجتمع المسيحيّ في حالة حذر، وبوتيرة تصاعديّة، بلغت حدّ التوتّر. وقد زاد المسيحيّين احتقاناً مشاعر العداء التي أطلقها، جهاراً، أولئك الإنقلابيّون على الوطن، فحددوا ما يصحّ وما لا يصحّ، وهدّدوا العاصين على التدجين، ولوّحوا بفتنة تطحن منْ رفضوا الخضوع، وكأنّهم يقولون لنا: ” ليس لديكم خيار “.

بلى، لدينا، في الحقيقة، أكثر من خيار، وفي المقدّمة مواجهة المشروع النشلويّ الذي تكررت الإشارة إليه، والسّاعي للسيطرة الكاملة على البلاد، مواجهةً بكلّ ما أوتينا من إمكانيّات وقدرات. لن نرضى، نحن المسيحيّين، تحويل لبنان جثةً متكلّسةً جاهزةً لإعادة تدويرها بتركيبة مختلفة، نكون خارجها، أو ذميّين، فيها، مصيرنا أن ندفع ضريبةً لحمايتنا. فكما سقط كثيرون، منّا، في الماضي، اسشهاداً، للدفاع عن وجودنا في هذه الأرض، لن نضن بأرواحنا لنبقى، وسنبقى…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل