31 تشرين الأول بداية نهاية الكابوس العوني!

ملفتة روزنامة العد التنازلي للأيام المتبقية من العهد الرئاسي التي أطلقها موقع “لبنان الكبير” منذ أسبوعين، ومن الواضح أن هذا العد لا يقتصر على “لبنان الكبير” إنما أكثرية الشعب اللبناني تعد الأيام لنهاية عهد الرئيس ميشال عون الذي كان من أسوأ العهود التي شهدتها الجمهورية اللبنانية منذ تأسيسها بسبب الكوارث والمأساة التي وقعت في لبنان خلال ستة أعوام: انهيار اقتصادي غير مسبوق، أكبر انفجار غير نووي دمّر بيروت، ثورة 17 تشرين، ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستويات قياسية، ارتفاع هائل لأسعار المواد والخدمات، ذلّ على محطات البنزين والأفران، انقطاع للتيار الكهربائي في معظم الأوقات، فقر وعوز وتغطية رئاسية لهيمنة “حزب الله” بالكامل على الدولة اللبنانية ومصادرة قرارها الرسمي!.

هذا ما سيتذكره الرأي العام اللبناني عن هذا العهد، فكيف لا ينتظر نهايته بفارغ الصبر؟ وتجاوز الكثيرون “تابو” هيبة الرئاسة بالكشف عن نيّاتهم بأنهم سيحتفلون في يوم 31 تشرين الأول 2022، أي اليوم الذي يبادر فيه الرئيس إلى مغادرة قصر بعبدا!

حتماً هذه المشاعر لا تطال كثيرين من المنتمين إلى “التيار الوطني الحر” وهو الحزب الذي أسسه عون وسلّمه إلى صهره جبران باسيل قبل انتخابه رئيساً للجمهورية.

لا شك في أن “التيار” سيكون أمام مرحلة جديدة في مسيرته بعد نهاية عهد عون، بل سيكون الخاسر الأكبر، لأنه منذ البداية هو مشروع سلطة لا وطن، بدليل أن عون منذ يومه الأول في قصر بعبدا عام 2016 راح يخوض معركة الرئاسة لباسيل ولا يزال حتى اليوم يأمل في ذلك، ولو أن الحسابات الواقعية تشير إلى أن حظوظ باسيل متدنية جداً لأسباب عدة أهمها العقوبات الأميركية عليه، واندلاع ثورة في لبنان كان هو أكثر المستهدفين فيها، إضافة إلى أن المرشّح الأول في معسكر 8 آذار هو رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية والأفضلية له حتماً بالنسبة إلى “حزب الله”.

لا يخفي العونيون طموحهم السلطوي منذ البداية، إذ كانوا يرون ارتباطاً رمزياً بين الحالة العونية وقصر بعبدا، منذ أن كان العماد عون رئيساً للحكومة الانتقالية يسكن القصر، ومنه يدير عملياته العسكرية. وبعد النفي والعودة، أصبح قصر بعبدا هو طموح الحالة العونية، بمعزل عن سعي عون الدائم للوصول الى كرسي الرئاسة، من عدمه. لكن خيبة الأمل كانت كبيرة لمعظم العونيين حتى ولو دافعوا عن العهد العوني، هم يعرفون أن الرئيس كان عاجزاً بسبب تموضعه في محور المقاومة والممانعة عن أن يفعل أي شيء، ولو استخدموا كلمة “ما خلونا”، إلا أن الخيبة تلازمهم، إذ وصل عون إلى الرئاسة بإجماع كبير، وسرعان ما خسر كل التحالفات بسبب استفزازات صهره ورعونته السياسية، والاستسلام لمشيئته، فكان مصير العهد هو الفشل الذريع وعلى كل المستويات، حتى في ما يخص التدقيق الجنائي، لم يتقدم قيد أنملة.

فشل عون في أن يصبح مُوَحِّداً أو حَكَماً. على العكس، فقد منح باسيل حرية الانخراط في أنشطة رعاية مُربِحة وفَرَضَ تفضيلاته على الطبقة السياسية. وسرعان ما أدّى ذلك إلى نفور رئيس الوزراء آنذاك، سعد الحريري، وكذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، الأمر الذي ترك عون وباسيل معزولين نسبياً، على الرغم من دعم “حزب الله”.

انصرف عون وباسيل إلى سياسة التعطيل والكيدية، وبدا أن نهجهما يقوم على مصالح ومشاريع ترتبط بالصراع على النظام، إلى حد أوصلت الأمور في البلد إلى الإنسداد الكامل عبر مغامرات انتحارية تزيد من عمق المأزق وتأخذه إلى الهاوية.

كم من حكومة تعطّلت أو حتى لم تتشكل بسبب تعنّت عون، ومحاولاته كي يضمن حصصاً وزارية لتياره، وحرم اللبنانيين من الاصلاحات، وهذا ما واجهته أكثرية رؤساء الحكومات في عهده من سعد الحريري مروراً بحسان دياب وصولاً إلى نجيب ميقاتي!

جرّ باسيل عمّه إلى معارك همايونية وسعى إلى المحاصصة والغرق في وحول الفساد واستغلال السلطة في تعيينات تكون محسوبة على “التيار الوطني الحر” ليبقى باسيل متحكماً في بعض الإدارات بعد خروج عون من قصر بعبدا.

ما يمكن استنتاجه أيضاً أن عون مارس السياسة من موقعه الرئاسي بصيغة فئوية، أي أنه تصرف كطرف خلال السنوات الماضية من العهد، وليس كحكم يدير التناقضات ويطلق المبادرات للتسوية، فكان العهد صدامياً من هذه الخلفية كطرف وليس من موقع الوطنية العامة.

بعد مسيرة عهد دامت 6 أعوام سيخرج عون من قصر بعبدا خالي الوفاض، صفر إنجازات، وهذا ما سينعكس سلباً على “التيار الوطني الحر” ورئيسه باسيل، ولن يسعفه تكتله النيابي “المنفوخ” بفضل “حزب الله” في المزيد من الاستثمار في السلطة، وسيصبح نفوذه محدوداً، وسيتراجع على نحو ملحوظ في كل المؤسسات الدستورية.

وفي مرحلة لاحقة يغيب فيها عون عن الصورة نهائياً، وحتماً الأعمار بيد الله، سيكون مصير “التيار الوطني الحر” كمصير من سبقه من تنظيمات حزبية لم يبق منها إلا الاسم!. تفتقر قيادة “التيار” الحالية إلى الحكمة، إذ لم تعرف أن تستفيد من أيام السلطة لتساعد الرئيس على تحقيق الإنجازات، بل استغلت السلطة لمصالحها الشخصية ولتحقيق مكاسب آنية فسكرت على مدى 6 أعوام بوصول عون إلى الرئاسة وراحت تتعامل مع التطورات والأحداث على قاعدة الربح السريع، من دون وضع استراتيجية بعيدة المدى، للمحافظة على “التيار” وجمهوره وتؤسس للمستقبل على قاعدة صلبة. في الواقع لم تعد الحالة العونية حاضرة في “التيار” بل الحالة الباسيلية، عِوضَ العونية الجامعة للمناضلين المقيمين والمغتربين وعلى اختلاف أحجامهم وأدوارهم كافة؛ فالباسيليون تمثلوا في مجموعة المنتفعين والطارئين على الحالة العونية السياسية والوافدين على أجنحة المنافع والمطامع إلى “التيار الوطني الحر” الذي أُخرج من رحابه وبمباركة كبير المناضلين جميع أولئك الثوار المرابطين خلف أكياس رمل المواجهات وبذل الدماء في سبيل وطن لبنان العظيم.

لا شكَّ في أن “التيار الوطني الحر” ستضربه فيدرالية الزعامات المنتفضة، وسيتحول إلى مجموعة أحزاب وتكتلات سياسية وربما هناك مَن سيحاول إعادة ارتداء العباءة المسيحية وذلك على أبعد تقدير، إذ أن المشروع الوطني الكبير اندثر عند أقدام الطموحات الرئاسية المبكرة.

لا يبدو “التيار” اليوم مشغولاً بفكره السياسي، وليس لديه أي مشروع سوى التركيز على شخص باسيل، ومواقفه وسلوكه، وبات هاجسه شيطنة معارضيه. أكثر من ذلك، دفعت “السكرة” بجبران باسيل إلى استفزاز القوى السياسية الكبيرة وشراء الخصوم فاستعرت نار الخلافات مع الجميع، مما دفع “التيار” إلى أن يدفع الثمن غالياً بسبب هذه السياسة الطائشة… افتقر “التيار” إلى عصبه القويّ، صحيح أن مراكزه عديدة وله وجود في كل المناطق إلا أنه من دون فعالية. باختصار، وضعيّة “التيار” باتت تعيش على “الأوكسجين” الذي يستمده من “حزب الله” بعدما خسر أكثرية قاعدته الشعبية المسيحية، ومهما تباهى باسيل بعدد نوابه، لا يمكن عندما يختلي بنفسه أن ينكر بأن حزب “القوات اللبنانية” أكثر تمثيلاً منه مسيحياً، وخطابه متماسك أكثر وطنياً، وهناك شخصيات سيادية مستقلة كانت في الأعوام الأخيرة تدور في فلكه أو متحالفة معه، تخلت عنه وأصبحت في الضفة الأخرى بعدما ارتأت أن ترمي بنفسها من المركب البرتقالي المتجه إلى الهاوية.

المصدر:
لبنان الكبير

خبر عاجل