بايدن في جدّة: عين على طهران وأخرى على تل أبيب

حجم الخط

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1731

إختلف مضمون التحليلات السياسية حول زيارة الرئيس الأميركي للسعودية بين ما قبلها وما بعدها. كان الرأي السائد أن القمة ستكون «تاريخية»، وربما تضع اللبنات الأساسية لتأسيس «ناتو عربي»، وقد تُقرر فعل شيء عملي ضد تنامي الخطر الإيراني في المنطقة. كل ذلك لم يتحقق. وحده التقارب بين السعودية وإسرائيل خطا خطوة بسيطة إلى الأمام.

أتى البيان الختامي لقمة جدّة عادياً ومن دون جديد يُذكر، حيث أكد المؤكد وأعاد تلاوة مواقف معظم الدول العربية والنقاط المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. القمة التي عُقدت في مدينة جدّة بين الرئيس الأميركية جو بايدن وقيادات دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى مصر والأردن والعراق، كانت فاترة وعادية وفشلت في وضع خطة مستقبلية توحّد الجهد الغربي والعربي لوقف التمدد الإيرانية وطموحاته النووية.

هذا وجدد القادة المجتمعون دعمهم لمعاهدة عدم إنتشار الأسلحة النووية، وأكدوا سعيهم لمنع إنتشارها في المنطقة. كما أعادوا تجديد دعوتهم اللفظية للجمهورية الإسلامية الإيرانية للتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومع دول المنطقة، لإبقاء منطقة الخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل، وللحفاظ على الأمن والإستقرار الإقليمي والدولي. وهي دعوات لا تنفك تكررها الولايات المتحدة الأميركية منذ عقود من دون التوصل إلى إذعان إيراني بعدم المسّ بأمن المنطقة العربية والإقليم.

تبدو الولايات المتحدة كما الدول الخليجية في حيرة حقيقية من أمرها. الرئيس بايدن ضعيف أمام إيران، مهادن أمام روسيا، ومتلبّك في أوروبا وفي الصراع على أوكرانيا، وجلّ ما يهمه هو تأمين زيادة إنتاج النفط العربي واستمرار توريده إلى الغرب، كما المحافظة على تدفق الموارد الطبيعية الخليجية وبيعها بالدولار الأميركي وليس في عملات أخرى. لا تختلف الحيرة الأميركية إزاء إيران عن تلك الخليجية، فهي، كذلك الأمر، حائرة أمام تصاعد النفوذ الإيراني المستمر والثابت، أكان في اليمن أو في لبنان أو في العراق وسوريا، أو حتى في العلاقة مع روسيا.

العين الخليجية باتت، ومنذ بضع سنوات، على إيران بوصفها خطراً على أمن الخليج ومناوئ جدي لها في النفوذ والمقدرة في باقي الدول العربية. وهذا ما يدفع السعودية وبقية الدول الخليجية للتقارب المتأني مع إسرائيل، على اعتبار أن لتل أبيب مصلحة مشتركة مع دول الخليج للحد من الطموحات الإيرانية.

على الرغم من تخطي الكثير من العقبات في خلق شكل من أشكال العلاقات الودية بين إسرائيل والدول الخليجية، إلا أن العلاقات هذه تبدو مدفوعة بكره وخوف مشترك من طهران أكثر من كونها تجمع أطرافاً معنية بصنع السلام بين العرب وإسرائيل. على العموم، تتحمّل إيران وزر هذه العلاقات المستجدة بوصفها مسببةً لها، وهي نتيجة مباشرة لتصرفاتها المتمادية والمخلّة بأمن الشرق الأوسط والخليج وإسرائيل على حد سواء.

وقبل أيام وحتى ساعات قليلة ومعدودة من بدء القمة الأميركية – الخليجية في جدّة، صدرت عدة مواقف وقرارات تدفع باتجاه تحسين العلاقات الإسرائيلية ـ السعودية. الأول كان إعلان إسرائيل عدم ممانعتها نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافر الواقعتين في البحر الأحمر من مصر إلى السعودية. وهو الأمر الذي يشكّل شرطاَ سعودياً مسبقاً لأي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل، خاصة وأن موقع الجزيرتين يسمح بمراقبة حركة الوصول إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، ويحق لتل أبيب رفض نقل السيادة المصرية عليهما إلى أي دولة أخرى تبعاً لاتفاقية السلام الموقعة بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.

هذا وكان قد سبق بادرة حسن النية الإسرائيلية هذه، قرار سعودي بفتح أجواء المملكة لجميع الناقلات الجوية بما في ذلك الإسرائيلية منها، وهو مطلب تريده تل أبيب بشدة، ويشكّل مؤشراً جديداً على الإنفتاح السعودي على جميع الخيارات في الإقليم. هذا القرار كان قد ساهم بالتوصل إليه الرئيس الأميركي بايدن عبر التواصل مع الطرفين السعودي والإسرائيلي قبل زيارة منطقة الشرق الأوسط بأيام.

النجاح الأميركي في تقريب المسافة بين إسرائيل والسعودية لم ينسحب على مطالب واشنطن التي تريدها من الرياض، إذ إن السعودية بدت ممانعة وحازمة أمام الشروط والمطالب الأميركية الكثيرة خلال القمة. فهي رفضت المطلب الأميركي ببيع الصين النفط العربي بالدولار وليس باليوان، ورفضت، كذلك الأمر، تعكير صفو العلاقات الخليجية مع الصين أو روسيا.

من ناحية أخرى، لم يتم تداول موضوع تأسيس «ناتو عربي» في جدّة كما توقع كُثر، وبخاصة في الغرب. فقبل أسابيع قليلة من القمة، طفت أخبار عن سعي خليجي وأميركي لإنشاء قوة عسكرية مقاتلة على نسق حلف شمال الأطلسي، بحيث تتشكل قوة عسكرية من الدول العربية تكون بمثابة حاجز مانع أمام توسع النفوذ الإيراني في المنطقة وزعزعة إستقراره.

وعلى الرغم من تزايد دعوات وطروحات إنشاء حلف عسكري عربي مؤلف بشكل أساسي من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر، إلا أن أي تأكيد جازم حول حدود عمله وصلاحياته وكيفية إدارته وهيكليته لم يتم الحديث عنه بشكل حقيقي، وهي كلها أمور لا تزال مبهمة. هذا وكان قد أعلن وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، على هامش قمة جدّة، أنه لا يوجد شيء حقيقي إسمه «الناتو عربي»، مؤكداً أن بلاده لم تشارك في أي مشاورات في هذا الشأن.

بيد أن إنشاء هكذا حلف عسكري عربي قد يساهم فعلاً في وقف الإندفاعة العسكرية الإيرانية ويعيد بعض التوازن إلى المنطقة، خصوصًا وأن مواجهة إيران إفرادياً من قبل بعض الدول العربية والخليجية لم تُسفر فعلاً عن الكثير من النجاحات. يبقى أن هكذا مشروع قد يتحقق في يوم قريب بسبب الحاجة إليه، وسيكون نتيجة، كنتيجة تحسّن العلاقات الخليجية – الإسرائيلية، لتزايد الخطر الإيراني على المنطقة وعبث طهران بأمن واستقرار دولها كافة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل