#adsense

“نحنا مِش كمالِة عدد”

حجم الخط

ما الذي كان يَقَعُ، في بلادِنا والمنطقة، لو ظلَّت كِفاياتُ المسيحيّين مستورةً ؟!

إنّ الطَّوافَ في صندوقةِ المسيحيّين يُترجِمُ عَمّا كان لهم من الحميّةِ في دَفعِ سكّةِ الحضارةِ، في لبنانَ والمشرِق، الى الرُّسوخ، مستَثمِرينَ طاقاتِهم، ومهاراتِهم، وجرأتَهم، للإنتقالِ بأوطانِهم الى مَصافِ الرقيِّ، وعلى المستوياتِ كافةً، فكان لهم، في قَدحِ نارِ الحريّات، والحقوق، والعيشِ السيِّد، قلبٌ ويَد. وقد سلَّمَتِ الحريّةُ إليهم زمامَها، فناضلوا ليُثبِتوا أنّ أيَّ مجتمعٍ يعشقُ كرامتَه ويَصونُها، لا يتمُّ له ذلك إلّا بالحريّة، وبالحريّةِ وحدَها.

بين المسيحيّينَ ونبرةِ العِزّةِ تَعاهُدٌ، وتَواثُق، رَكِبوا لها المخاطر، وانطلقوا الى غرضِها انطلاقَ السَّهمِ الى رِميَتِه، واعتنقوها مَذهباً، ونقشوا مزاميرَها في هياكلِ حياتِهم، فشكَّلَت في ذواتِهم سلوكاً لم يتخَلَّوا، يوماً، عن الإلتزامِ به، وأقاموا قَرابةً بينه وبينَ الأرضِ التي استوطنوها، ولا سيّما لبنانَ الذي كان، معهم، من لَحمٍ ودَم. وشاءَ الزّمانُ أن يُحدِثَ تلاقُحاً بين الإِرثِ المسيحيِّ وبين هذه الأرضِ، حَمَلَ بُشرى صياغةِ وطنٍ، ليسَ بالحيثيّةِ الجغرافيّة كما غيرُه، بل بالمفهومِ العلائقيِّ وما يقومُ عليهِ جوهرُهُ من شَغَفٍ وحُلول.

إنّ المسيحيّينَ أَصلٌ حين تُدرَسُ درجاتُ التمدّنِ عندَنا، وفي الشَّرقِ قاطبةً، فهم معلِّمو عَمارِ التقدّمِ، وبَنّاءو النّهضات، والمُساهِمونَ في التَّحديث، وكان لهم، في كلِّ ذلك، دهشةٌ وصَدًى، لأنهم ابتكروا مواثيقَ لا قَبْلَ لها، مِدماكُها قِيَمُ الإنسانِ، وحقوقُهُ، وغائيّةُ اندماجِهِ الفاعِلِ مع سواه، وتطلّعاتُهُ الطَّموحَةُ والعابِرةُ للآنيِّةِ الزمانيِّةِ، ليكونَ، بالفِعلِ، قطعةً من الحياة. فالإرتقاءُ الحَضاريُّ غزيرٌ، ولا يقفُ أمامَهُ حَدّ، ويبقى العُبورُ إليهِ هو الطّموحُ الذي يُشبِهُ المِظَلَّة، فكلَّما اشتدَّ المَطَرُ اشتَدَّتِ الحاجةُ إليها.

لم يَبِعِ المسيحيّونَ كرامتَهم ليصبحَ وجودُهم رخيصَ الثَّمَن، ويتسوّلوا غلائلَ المؤانسةِ، وعُهودَ الإستقرار. لكنّهم، وحدَهم، خلعوا على الوطنِ كرامتَهم رِداءً، ونضالَهم صحَّةً، واستطاعوا أن يَرتُقوا المِزْقَ بين الكرامةِ والوجود، وهو مِزقٌ ناتِجٌ عن عامِلِ الخوفِ البدائيِّ عندَ غيرِهم، ما جعلَ الوطنَ حائطاً ضعيفاً أَغرى اللّصوصَ والعُتاة، فنَفَذَت سِهامُ مَكرِهم الى مَراميها، وتحكَّمَت مَخالِبُ ظُلمِهم فحوَّلَت عافيةَ البلادِ سَقَماً. إنّ المسيحيّين، وحدَهم، دُفِّعوا الكثيرَ، ولِمَرّات، وارتَضَوا ليتمتَّعوا بنضارةِ عيشٍ في وطنِهم، لذلك، كانوا كَشَذى الياسمينِ يبقى يفوحُ ولَو قتلوه ألفَ مرّة.

إنّ المسيحيّين الذين أَخَذَهَم إِثمُ غيرِهِم بالمِخنَق، بقيَت ملحمةُ الحريّةِ تَستعرُ فيهم، وهي كَنزٌ لا يُنشَدُ إلّا تحتَ أَكداسِ الشّهداء، فلم يدَّخِروا دمَهم لعصورِ الخضوع، بل خطّوا، بهِ، أَنفَسَ الترانيمِ التي لم تكنْ ضجيجاً، إنّما سمفونيّاتٍ ملفوفةً بزنّارِ العنفوان، تُسمَعُ في الأماكنِ الرّاقيةِ لا في الأَزِقّة. وإِنْ دَلَّ عنفوانُهم على شيء، فليسَ على انعزاليّةٍ وتَقَوقعٍ مَذهبيٍّ، كما اتّهمَهم الثيوقراطيّونَ العنصريّون، ومُخَطِّطو التَّذويبِ، بل على تمسُّكِهم بهويَّتِهم الوطنيّةِ والقَوميّة، وعلى وجودِهم المُجاهِدِ والشّاهِدِ على الفِداءِ للبقاء.

إنّ المسيحيّين إنفتاحيّون صاغوا كياناً سياسيّاً نموذجيّاً أَسقَطَ أحاديّةَ العِرقِ، وكان تركيبةً ديمقراطيّةً فريدةً تُرَسِّخُ التعدّديةَ، والشَّراكةَ، بديلاً عن النمطيّةِ الغريزيّةِ، والبروتوتيباتِ الطائفيّةِ التقسيميّةِ، والديكتاتوريّة، والتي لم تَشهدْ شعوبُها سوى عصورِ الظّلامِ، والخَراب. ومن هذه المُسَلَّمات، ومن إيمانِ المسيحيّين بالإنسان، وبعلاقةِ الإنسانِ بالإنسان، أطلقوا دعوةً راقيةً هي المَضِيُّ الى حِوارِ الحضاراتِ، وقوامُهُ الإعترافُ بالآخر، واحترامُ حقوقِهِ، والوقوفُ عندَ رأيِه، لإِطلاقِ شبكةِ أمانٍ تستندُ الى عيشٍ متكافِلٍ يرمي، جانِباً، الخطابَ التّكفيريَّ، والنّظرةَ الفوقيّةَ بحُكمِ العدد، فوجودُ المسيحيّينَ الحضاريُّ لم يكنْ، يوماً، تراكُميّاً.

لم يقتلِ المسيحيّون الوطنَ بوحشيّةٍ عدائيّة، ولم يسوِّقوا مشاعرَ التّفرقةِ، ولم يبشِّروا بفتنةٍ تطحنُ النّاس، ولم يَسعَوا الى ترهيبٍ يتولَّونَ تحويلَه من ظاهرةٍ الى نظام، ولم يتخَندقوا خلفَ مشاريعَ مشبوهةٍ ترمي البلادَ سلعةً في أسواقِ النّخاسة، ولم يكونوا مطيَّةً لمؤامراتٍ تفرضُ على الشَّعبِ واقِعاً هجيناً، ولم يمارسوا التّدميرَ التّدريجيَّ للمؤسَّسات، والإِطباقَ على السّلطاتِ، ما يؤدّي الى غَرزِ المزيدِ من التشظّي في جسمِ البلد، ولم يهلِّلوا لنيوفاشيّةٍ عوجاءَ تدمِّرُ الصيغةَ الفريدةَ التي أُسِّسَ الوطنُ على قواعدِها…

في الخلاصة، لم يَكُنِ المسيحيّون، في لبنانَ، من أوّلِ عهدِهم، ” كْمالِة عَدَد “، ولن يكونوا، كذلك، حتى مُنتهى الدُّهور…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل