بين الحرب والحياد

لم تمرّ دولة وتعاني ما يمرّ فيه لبنان ويعانيه.

فهو، حتّى إشعارٍ آخر، محكوم بخيار الحرب، وكأنّ قدره أن يبقى معلّقاً على خشبة الموت، وتجافيه لغة السلام التي لا تغيب عن الدول المتحاربة نفسها حتّى وهي تحت الحديد والنار، بينما يغرق هو في جحيم الصراع الذي يتجاوز حدوده وسيادته ومصالحه وسلامه الوطني، وكأنه منذور لحرب أبدية.

منذ سنوات يخضع لبنان لمعادلة الرعب والردع ووعود الحروب الصادقة والانتصارات المتوالدة وفتح الميادين وتوحيد الساحات، وسقطت من قاموسه تعابير الاستقرار والمصالحة والسلم الداخلي والسلام الخارجي، وإذا سمح القابض على قراره بالحوار مع الآخر فعلى شرط مسبق لا يمكن المسّ به، وهو “السلاح المقدّس” المكرّس فوق أي اعتبار أو حوار.

لذلك، فإن أي حوار يسمح به “حزب اللّه” هو على الأرضيات الفرعية، وليس على السماويات الأصلية، لأن سلاحه ارتقى من مستوى “التكليف الشرعي” الديني، إلى مرتبة “التكليف الإلهي”، ولم يعد مادة للنقاش في السياسة بين المكوّنات اللبنانية، ولا موضوعاً مطروحاً في الاستراتيجية الدفاعية. هو سلاح للحرب فقط في حدّ ذاتها، على قاعدة الحرب للحرب، وليس على القاعدة البشرية المعروفة:

الحرب من أجل السلام.

لم نسجّل مرة واحدة، منذ وثيقة التأسيس سنة 1985 المجدَّدة سنة 2009، في خطاب “حزب اللّه” وأمينه العام نصراللّه عبارات السلام والوفاق والهدوء والاستقرار والحياة، بل مفردات الحرب والموت ولغة الحرق والإلغاء والإبادة وذكاء الصواريخ الدقيقة ولهيب الميادين وحشد المقاتلين والجهاديين وتقديس الضالعين في القتل والاغتيالات والغزوات.

على هذه الخلفية الحربية الثابتة و”المقدّسة” يحاور “حزب اللّه” ويناور في البحث عن تسويات. لذلك فشلت كل التسويات السابقة منذ الاتفاق الرباعي في انتخابات 2005، وصولاً إلى التسوية التي يؤسس لها عشية الاستحقاق الرئاسي، مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أو سواه. وحدها “ورقة التفاهم” مع “التيّار العوني” سلمت من السقوط لأن أساسها قائم على “قدسية السلاح”.

يفاوض “حزب اللّه” في الهوامش ويتمنّع في المتون.

وهو يصنّف الرئاسة الأولى، وحتّى الحكومات والصفقات السياسية الداخلية، في الهوامش،

أمّا المتن فيحفظه لسلاحه والقرار الاستراتيجي كمحميّة عقيدية محرّمة على البحث والنقاش والاختراق.

من هنا عبثية الحوار مع “حزب اللّه”، وأي تنازل يوحي به في أي لقاء سياسي ليس سوى تكتيك على الطريق العقائدي المستقيم من الضاحية إلى طهران، وكل ما يتراءى لمحاوريه أنه مكسب أو تنازل منه لا يكون سوى طُعم في صنّارته الاستراتيجية.

والواضح أنه استشعر عجزاً ما عن فرض رئيس للجمهورية كما فعل سابقاً، فبسط كفه للحوار في حيلة للبحث عن رئيس “غير استفزازي”، بهدف قطع الطريق أمام رئيس سيادي إصلاحي إنقاذي يُربكه في الاستراتيجية الدفاعية وفي سعيه إلى حضانة دولية تكفل حياد لبنان عن الصراعات.

والحقيقة أن مشكلة “حزب اللّه” الفعلية هي مع حياد لبنان، لأن هذا الحياد يسحب من تحت قدميه بساط “هانوي” والحرب الدائمة وورقة المشروع الإمبراطوري الإيراني. لذلك هو يحاول استجماع أوراق الرافضين للحياد، سواء الذين يسيرون عقائدياً في ركابه، أو الذين لديهم حساسية تقليدية عاطفية من فكرة الحياد تجاه إسرائيل. علماً أن الحياد المطروح لا يعني الانكفاء عن قضايا الحق، وفي مقدّمها قضية فلسطين، وهذا ما تعنيه بالتحديد عبارة “حياد ناشط وإيجابي” في مشروع البطريركية المارونية.

إنه حياد عن الحروب والصراعات وليس عن حقوق الشعوب والجماعات.

وفي تقدير أخير، أن “حزب اللّه” يواجه الحياد بالحرب، وليست لديه أية وسيلة أخرى لمحاربة عدم انحياز لبنان وإسقاط مشروع حياده الذي يستقطب مزيداً من التأييد اللبناني المتنوّع والتفهّم الدولي المتراكم.

وبين الحياد والحرب، على القيادات اللبنانية أن تحسم أمرها، وأمامها الاستحقاق الرئاسي الوشيك، كي تقرر الاختيار بين رئيس يعمل للحرب ورئيس يسعى إلى خلاص لبنان وسلامه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل