
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1731
نشوف وجك بخير Tiger، كتب له الرفاق. ووجه النمر إياه مغروز هناك، فوق عند ثلوج دير الأحمر، يقرع الجرس بسواعد الإيمان وينده بالإيمان على الضيعة. أتقرع الجرس ليوم رحيلك جورج خشان؟ لا، بل أقرعه لأنادي على رفاقي لاستقبالي في بيت الآب الأبدي، وأريد لكل دمعة تذرف عليّ أن تتحول بسمة أرزة في أرض الدير».
«جورج خشان ما مات… النمر ما بيموت» يقول أحد رفاقه. إنتقل جورج خشان الى الضفة الأخرى، غاب الجسد وبقيت الروح، لكن الأهل والرفاق يشتاقون للحضور المدوي ذاك. أخذه المرض اللعين وهو بعز الصبا والعطاء. إذن أيجب أن نكتب فيك رثاء؟ ومنذ متى نرثي مناضلينا؟! نحن لا نرثيهم نحن نحاول أن نكرّمهم بكلمات صغيرة أمام إنجازاتهم الكبيرة، وحضورهم المشعّ في المقاومة. نحن لا نرثي شبابنا وصبايانا ورجالنا ونساءنا المناضلين، نحن نقول فيهم بعض قليل من إمتناننا لهم، من إحترامنا لكل ذاك العبق الأرضي الذي لا يندثر.
لا نرثيك جورج خشان يا إبن دير الأحمر، يا ربيب الجبهات، يا نخبة من بين نخبنا القتالية المشرّفة، بوجه الإحتلال السوري وعملائه، بل نكتب عنك كمن يحاول أن يخفف وطأة ألم الغياب عن الرفاق الذين أحبوك واحترموك وتأثروا بمسيرة نضالك، وقرعوا لك الأجراس ليس بسواعدهم، إنما بدموع قلوبهم التي غالبت الدمع وما استطاعت، فاستسلمت لذاك الضعف القوي الحنون. فحين يبكي الرجال يعني الحزن أقوى من أي مرجلة، والمرجلة هنا أن نترك العنان لزعلنا عليك، ومن بعدها نجلس الى الأيام والصور ونحكي عن مناضل شجاع شفاف عاشق القضية والإنسانية والحياة، مقاوم في صفوف «القوات اللبنانية».
كان من هؤلاء الذين لبسوا البدلة الزيتية الحلوة، عنوان النضال ذاك، وكما رفاق كثر صارت الجبهات بيته الثاني. كان قواتيًا للعضم، لكنه كان إنساناً منفتحًا على الجميع. لبس البدلة وحمل البارودة وجالس المتاريس حين دق الخطر ع البواب، فأوصد مع رفاقه كل أبواب الإختراق ومحاولات تذويبنا وتطويعنا. ولما حان وقت تسليم البارودة، صار مناضلاً في اتجاه آخر، هو الرحالة الذي زار بلدان العالم الواسع، لكنه لم يجد أجمل من ضيعته الأم دير الأحمر ليستقر فيها، هو المغامر عاشق الحياة والصيد والطبيعة، لكنه لم يجد أفضل من القوات اللبنانية لتكون عالمه النضالي المحق لأجل حقيقة لبنان ذاك الحلو النظيف.
أحبته البدلة الزيتية حين معه جالست ليالي الخطر، واشتاقت إليه حين خلعها وعلّقها في سجّل الشرف معلناً لها «خلص يا رفيقتي لكل زمن زمنه، نحنا بدنا نحارب بالموقف والكلمة والبرلمان والوزارات، عنا جيش بيحمينا وعليه متكلين، رح تبقي بقلبي ومسيرتي العلامة. ونشالله ما إرجعلك وما بدي إرجعلك طالما جيشنا واقف ع بواب الخطر يصد العدا».
كيف يستطيع مقاتل تسلّم جبهات ومهمات، أن يتخلّى بهذه السلاسة عن سلاحه ومتراسه؟ «خيي كان جسر عبور بين المتخاصمين، مناضل قوي عرف كيف يتعاطى بزمن السلم مع الناس والقضية، فيكي تقولي خيي كان صلة الوصل يللي بتربط المتناقضين بين بعضهم البعض. كان عندو القدرة على جمع الكل مع بعضن، وتوصّل لحل مشاكل كتيرة بالضيعة مشاكل معقدة وقديمة، لكن بأسلوبه الراقي ومحبتو للجميع واهتمامو الحقيقي بالكل، قدر فرض احترامو، وقدر حلّ هالمشاكل المعقدة بين بعض العيل» يقول أخوه بول.
لُقِّب بالنمر لأنه لم يخف يومًا لا الموت ولا المواجهة، خاف ربه وتعبّد ليسوعه وأمه العذراء مريم، وأحبّ ذاك الختيار الملتحي المتربع على أعاجيبه، مار شربل. «ولا مرة تصرّف كمنسق قواتي لمنطقتو وبس، إنما كمسؤول فعلي بعيد عن المحسوبيات، وصار مثال أعلى لكل القواتيين وغير القواتيين. كانت القوات حياتو وعمرو ويقول أنا برات القوات ما بكون، كان النمر بعيون الكل لأن يواجه الخطر وقت كتار يتراجعوا» يقول بول.
عيّنه الحكيم منسقا لدير الأحمر، وصار المنسق القواتي لكل أهالي الضيعة من دون إستثناء. كلما احتاج أحد لمساعدة ينده على النمر، كلما انقطع أحدهم في الجرد لا يجد إلا جورج لينده عليه. كلما ضاقت السبل بأحدهم، يعرف أن جورج سيكون له السند وسيجد له الحل المناسب. جورج هنا، جورج هناك، جورج في كل شجون دير الأحمر وشؤونها، جورج في قلب قلب وجدان الناس، وقلب القوات اللبنانية، أليس هذا تكريمًا لمناضل وهو بعد حي؟ أليست المحبة والإحترام نعمة الرب على جورج، شو رأيك يا أبو تاتيانا؟
وأبو تاتيانا الهادئ النبيل الراقي، جابه عدوًا آخر شرسًا لا يرحم، هاجمه السرطان الملعون، لم يحنِ رأسه، ولم يكابر أيضًا «متل ما الله بيريد» كان يقول، وبدأ رحلة العلاج وما يرافقها من ألم وضيق «أنا منيح ما تخافوا عليّي»، وواجه المرض بعنفوان المقاتل المؤمن حتى آخر اللحظات. هزمه المرض؟ نريد أن نقول لا، لكن نقول إن الله شاء أن يكون الخشان بين يديه باكرًا «شو بقول لجورجي وقت يسألني عن جدو غوغا؟ كيف بدي قلو إنو ما بقا فينا نشوفو لجدو ونغمرو ونبوسو ونتغنج ويغنجنا… بشكر ربي لأنو جورجي تربى بعزك وحنانك أول ٣ سنين من عمرو» كتبت له إبنته الوحيدة تاتيانا.
«هيدا أول عيد أب إنت منك حدنا وما فيي عيّدك وأغمرك وبوسك وقلك خليلي ياك بابا… بس فيّي إتطلع بالسما وقلّك ينعاد عليك يا بابا يا كل الدني، يللي من بعد ما تركتا صارت فاضية… بس أنا بعرف إنك معي وما بتتركني، وحتى لو تركت هل الأرض إنت ساكن بقلبي وروحي… ينعاد عليك يا أحلى وأحن بيّ وجد بكل الدني، قديش أنا محظوظة إنك بيي…
بحبك لحدود السما يلي إنت صرت فيا هلق…»، يا جورج يا خشان الى اللقاء tiger.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
