رهان “القوات” مكشوف على الملأ

دأبت العديد من الكتابات والتصريحات في الفترة الأخيرة على اتّهام حزب القوات اللبنانية بالرّهان والتّعويل على الانهيار الاقتصادي، واعتبار ذلك مشروعاً يستثمر فيه لمواجهة خصومه وتعريتهم أمام جماهيرهم.

في واقع الأمر، “القوات” تخوض مواجهة محتدمة مع خصومها، لكن المفارقة أنّ هدفها الدائم والذي لم تتنازل عنه يوماً هو مواجهة مَن يسعى لانهيار الدولة كون مشروعها الأول والأخير هو قيام الدولة القوية القادرة والعادلة في لبنان.

وفي سياق هذا المسار الطويل الذي واظبت عليه “القوات”، جاء الموقف الذي أعلنه رئيسها سمير جعجع في 2 تشرين الثاني 2016 عن إطلاق “معركة لا هوادة فيها على الفساد وعدم السماح بتمرير أي صفقة مشبوهة على طاولة مجلس الوزراء مهما كلّف الثمن”، كإعلان متجدّد لمشروع “القوات” الهادف لفرملة مسار الانهيار بغية بناء الدولة الموعودة.

سعت “القوات” بكافة الوسائل القانونية والتمثيل الدستوري الذي استحصلت عليه عبر ثقة اللبنانيين في ترجمة نيّتها لوقف الانهيار إلى أفعالٍ وإقدامات داخل السلطة التشريعية والرقابية وصولاً إلى التنفيذية.

ومن الأمثلة عن التزام “القوات” في هذا الاتّجاه هو ما أقدمت عليه في الحقائب الوزارية التي تسلّمتها، إذ قام الوزير السابق كميل أبو سليمان في “العمل” بوضع خطة وطنيّة لتنظيم العمالة الأجنبية تطبيقاً لقانون العمل اللبناني إنصافاً وحمايةً للعمالة المحلية من دون تكبيد خزينة الدولة أيّ ليرة، فرض على أرباب العمل منح الضمانة القانونية للعمال اللبنانيين وفق ما ينصّ عليه القانون، سطّر حقّ اللبنانيين بالعمل كأولويّة فائقة في كافة المؤسسات العامة والخاصة وطهّر الطابق السادس في الوزارة من السماسرة.

كما لجأ النائب بيار بو عاصي والوزير السابق ريشار قيومجيان في “الشؤون الاجتماعية” إلى شطب كلّ الجمعيات التي كانت تتقاضى دعماً مادياً من الدولة وهي غير فاعلة وكانت معظمها مغطّاة بالمحسوبيات الحزبية والمناطقية، وإيقاف العمل بمشاريع تُكبّد الدولة رواتب وأجور طائلة من دون فائدة عامّة، وغربلة لوائح العائلات الأكثر فقراً والتي كانت تغزوها التنفيعات السياسية ويغيب عنها من يستحق الدعم الفعلي.

وأعلن قيومجيان، سابقاً، عن خطة وطنية لإعادة النازحين السوريين بالتعاون مع المجتمع الدولي بهدف مواجهة تأثيرات النزوح الكارثية على البلاد والعباد والتي قوبلت من قبل منظومة الانهيار بالرفض كونها تُخرج هذا الملف من البازار السياسي وتؤدّي إلى حلّه ومنع النظام السوري من الاستثمار به.

كذلك في “الإعلام”، أوقف الوزير السابق النائب ملحم الرياشي العمل بمشروع الخدمات وطبّق آلية التعيينات القانونية، وقدّم العديد من مشاريع القوانين الرامية لإعادة هيكلة الوزارة وتطوير نقابة المحررين وكل المؤسسات الإعلامية وصولاً إلى دعم الصحافة الورقية مادياً، وأنجز امتحانات الكفاءة عبر مجلس الخدمة المدنية لتعيين رئيس مجلس إدارة جديد لتلفزيون لبنان وسوّى أوضاع الفنانين في مديرية الإذاعة اللبنانية.

كما أقرّ نائب رئيس الحكومة السابق النائب غسان حاصباني في “الصّحة العامّة” سلسلة من الخطوات الإصلاحية التي طاولت قطاع الطبابة والاستشفاء من إجراء المناقصات القانونية، وإبرام خطة شفافة لإعادة تسعير الدواء ما أدّى إلى انخفاضه قبل انهيار العملة، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية، وإحالة عشرات المخالفات والتجاوزات الإدارية والقانونية إلى التفتيش المركزي والقضاء، وإيقاف طبيب محسوب على أحد تيارات المنظومة يقوم بتأجير جزء من مبنى الوزارة كملهى ليلي، وإيقاف مدير مستشفى بسبب فساده، وإطلاق الشبّاك الموحّد للمعاملات الإدارية لجماً للفساد الإداري، وإعادة توزيع السقوف المالية للمستشفيات وفق دراسة علميّة أنصفت المشافي العامّة كما الخاصة وتأمين تمويل ضخم كمساهمات مجّانية لأقسام العناية الفائقة ما مكّنها من الصّمود لمواجهة وباء كورونا.

كذلك، فعلت الوزيرة السابقة مي شدياق في “التنمية الإدارية” إذ أقرّت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وأبرمت عقود تفاهم في مجال التحوّل الرقمي مع عدّة دول أوروبية، وساهمت بإقرار الاستراتيجية الوطنية للأمن اللبناني السيبراني، وألغت التعيينات غير القانونية في الوزارة التزاماً بقرار النيابة العامة في ديوان المحاسبة، وأطلقت مشروع مكننة سير المعاملات وإدارة ملفات الملكية الفكرية مع عدد من الوزارات، وأرست مشروع تقييم الأداء القطاعي والتنظيمي لستة إدارات بهدف تطوير آلية عمل ومفهوم الرقابة لدى التفتيش الرقابي، وشدّدت على الالتزام بمندرجات مشروع تطوير إجراءات الصفقات العمومية.

إيمان “القوات” بقيام الدولة وبأهمية مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية، دفعها إلى عقد حلقات مكوكية وورش عمل مكثّفة وعلى أعلى المستويات، استقدمت خلالها خُبُرات دولية ومحلية تحت عنوان “القوات في مواجهة التحديات”، ومنها تفعيل القيمة المالية والاقتصادية لقطاع الاتصالات، وتنظيم الكسارة مش خسارة، وطرح حلّ أزمة الكهرباء، وتخفيض العجز المالي في الموازنة وغيرها من ورش العمل في كافة المجالات.

القول إنّ “القوات” تسعى للانهيار الاقتصادي لهو مزيج من الخداع الممنهج، ومواقف رجالات معراب تدحض كلّ هذه الادّعاءات، فنائب رئيس الحزب النائب جورج عدوان وخلال انعقاد جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة في 17 تشرين الأول 2017 تحدّث عن أهميّة تشكيل لجنة برلمانية للتدقيق بحسابات مصرف لبنان المركزي في تحذير علني من الانهيار الشامل المرتقب وسط التطمينات التي أعلنها الفريق الخصم عن العملة والاقتصاد ومستقبل البلاد، كما وصف في 16 تموز 2019 خلال انعقاد جلسة مناقشة الموازنة، التدابير المتخذة بغير الكافية لمواجهة التحديات الاقتصادية وبوجوب الخروج من حالة النكران. كما دعا جعجع في 2 أيلول 2019 خلال انعقاد اللقاء الاقتصادي في بعبدا إلى استقالة الحكومة وتشكيل حكومة اختصاصيين تُعطى الفرصة للعمل، كذلك دعا في 8 آب 2020 إلى الاستقالة الجماعية من مجلس النواب والذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة لجماً للانهيار وكسباً للوقت الضائع.

رهان “القوات” ثبّت ارتباطه العضوي مع قيام الدولة، من هنا جاءت معارضاتها لكلّ الموازنات العامّة التي عادت لتُقرّ منذ العام 2017 والتي أثبتت عُقمها وعجزها عن مقاربة المخاطر، إذ امتنعت في 19 تشرين الأول 2017 عن التصويت على موازنة 2017، كذلك فعلت في 29 آذار 2018 ضد موازنة 2018، واستكملت معارضتها لموازنة 2019 في 19 تموز من العام نفسه، وصولاً إلى مقاطعتها جلسة إقرار موازنة العام 2020 التي عُقدت في 27 كانون الثاني منه؛ فلو أرادت “القوات” البصم على مسار الانهيار كما تدّعي بعض أبواق المنظومة لكانت سارت بكلّ حفلات العشوائيّة في تلك الموازنات.

اعتراضات “القوات” على موبقات إدارة الدولة، دائماً ما أردفتها بالخطط والحلول ومشاريع القوانين والاقتراحات النيابية، يُذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: تعليق العمل بالسرية المصرفية تسهيلاً لمسار التدقيق الجنائي، ومنع المس بالاحتياطي الإلزامي بعد تحديده حفاظاً على أموال المودعين، وخطة متكاملة لإدارة المرفأ في العام 2019 أيّ قبل عام من تفجيره لجماً للتسيّب والهدر وسوء التنظيم.

لم ينهر الوضع الاقتصادي إلّا نتيجة إصرار فريق المنظومة الحاكمة وتوابعه في السلطة وخارجها على مقابلة نداءات “القوات” ومشاريعها واقتراحاتها في السلطتين التنفيذية والتشريعية باللامبالاة وبالتخوين والتعمية، فرفضت “منظومة الانهيار” بتّ أيّ خطة إصلاحية حقيقية أو وضع سياسة حكومية ذات ركائز اقتصادية انقاذية أو تغيير نمط الزبائنية في تشكيل الحكومات أو طرح أيّ مقاربة جدية للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي أو تنفيذ أيّ خطوة في لجم الانتهاكات بحقّ الاقتصاد الوطني بدءًا بالتهريب اللاشرعي وصولاً إلى استباحة النظام المالي بآخر لا شرعي ولا قانوني ولا سيادي.

وهنا يكاد يكون ملف الفلتان الحدودي أحد أكثر الأمثلة التي تُثبت احتراف خصوم “القوات” عملية قيادة البلاد الى الانهيار، وما استعادة بعض مواقف معراب في هذه القضية سوى دليل صارخ على زيف اتّهامها بالركون جانباً أو بالعمل على تشريع الانهيار، ففي 23 تموز 2019، سارع النائب عدوان لعقد اجتماع للجنة الإدارة والعدل بعد طلب حضور وزيريّ الدفاع والداخلية لمساءلتهما حول ملف المعابر غير الشرعية والتهريب، وفي 19 شباط 2020، تقدّم النائب السابق وهبي قاطيشه بإخبار حول المعابر غير الشرعية في عكار والجهات السياسية التي تدعم عمليات التهريب، وكذلك فعل النائب زياد الحواط في 19 أيار 9٩ تشرين الأول من العام نفسه، إذ قدّم إخبارين لدى النيابة العامة التمييزية والمدّعي العام المالي عن المعابر غير الشرعية عبر الحدود السورية مرفقاً إيّاهما بملفّات ومستندات موثّقة.

أن تُتّهم “القوات” الضنينة الأولى إن لم تكن الوحيدة على صون مشروع الدولة بتهمة “السعي للانهيار” لهو ذروة في الإسفاف السياسي الذي يُبرئ فيه الخارج عن القانون ويُشيطَن فيه مَن يلتزم الأصول، فلم يُطح الدولة ولم يأخذها إلى الانهيار التّام سوى الفريق الحاكم المُتباكي اليوم على الأطلال، والذي يُصرّ عن سابق تصوّر وتصميم إلى امتصاص ما تبقّى من مقوّمات وثروات وطاقات لتزخيم مشروعه الذي ينتعش يوم تفرط الدولة وينضب يوم تستقيم.

لا تقوم الدولة ولا يُفرمَل الانهيار، إلا يوم يتسلّم الحكم مَن اختار هذا الوطن مساحةً نهائية لعيش إنسانيّته، إلا يوم تُفكّ عن كاهل هذه الأرض كلّ الارتباطات الخارجية التي لا تتردّد في سحق كلّ ما هو لبناني لإنعاش ما هو غير لبناني، إلا يوم تُرفع يد المنظومة السوداء عن رقبة اللبنانيين ومستقبلهم، إلا يوم يتخلّى مَن في الحكم عن مشروع سحل الدولة لأجل الدويلة لقاء أثمانٍ ظرفية بالية.

رهان “القوات” واضح وصريح وعلني ولا لبس فيه وهو قيام دولة العدالة والإنسانية والثقافات المتنوعة التي تمنح شعبها الأمن والأمان والبحبوحة والحرية من دون موانع عقائدية وضوابط جائرة، أمّا الذي يُراهن على الانهيار فهي تلك الأصوات نفسها التي تتّهم “القوات”، تلك الأبواق ومَن يقف خلفها ومَن ترتبط بهم، تلك الوجوه التي تُصرّ على إغراق لبنان بمشاريع الموت والحروب التي لا تنتهي كرمى دولة خارجية، تلك الأيادي التي لا تتردّد في تصفية مَن يُخاصمها ويواجهها ومَن لا يلتزم بأوامرها، تلك السياسات التي تُبادل حماية اللاشرعية بتغطية الفساد والموبقات السلطوية.

يكمن التّعويل على الانهيار في ذهنيّة وممارسة مَن يصرّ على ربط لبنان بمشروع الاقتتال والدماء والمعارك العبثية ومعاداة الدول العربية ومهاجمة أصدقاء لبنان عبر قطع أوصاله وتصدير الممنوعات والمسلّحين والمشاريع الدموية ونحر ثقافته الجامعة والمتنوّعة وعيشه الحرّ الكريم.

خبر عاجل