.jpg)
يحجز شعار “نحنا بدنا، ونحنا فينا” الانتخابيّ الذي اعتمدته “القوات اللبنانية” مراتب متقدّمة في الأذهان، بما سيجعله أشبه بـtrend مستمرّ مترافقٍ مع تعليقات الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في المرحلة المقبلة ايجاباً من المؤيّدين أو انتقاداً من الخصوم. وتتفرّع البنود التي يتضمّنها البرنامج “القواتي” بين السياسة والحوكمة وبناء الدولة والاقتصاد والمجتمع والتنمية المستدامة. وتنطلق ثوابت “القوّات” المعبّر عنها من عنوان كبير لخريطة الحلّ المقترحة، لجهة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وتطبيق القرارات الدولية. وتطرح “القوات” فكرة الاستعانة بقوّة دولية ضمن القرار 1701 لضبط الحدود الشرقية، مع التأكيد على ترسيم الحدود البرية وضبطها بمعابرها الشرعية وغير الشرعية، ونشر الجيش اللبناني على الحدود وتجهيزه بالعتاد والسلاح اللازمين. وتُعتبر هذه البنود قمّة أهداف القوى السيادية التي تجدّد المطالبة بها من دون أفق لبلوغها حتى اللحظة. ويضاف إليها مطلب تحييد لبنان عن الصراعات وتأكيد الحياد الإيجابي. فأي قابلية للوصول إلى خواتيم مرجوّة على رغم كلّ الصعوبات المعيقة للبحث في مسألة حصر السلاح، والتي انتهت تجاربها الماضية بطاولة حوار عقيمة أو بتوجيه البارودة إلى الداخل على غرار أحداث 7 أيار 2008؟
تؤكّد مقاربة مصادر “القوات” المواكبة للبرنامج الانتخابي لـ”النهار” الانطلاق من مبدأ عدم التطبيع مع السلاح أو الخضوع له والتعامل على أساس رفضه. ولا قدرة على نزع السلاح بالقوّة بل الاستمرار في النضال السياسي للوصول إلى أكثرية لبنانية مع ظروف مؤاتية وتوقيت مساعد يسمح بتحقيق المطالب. وبمعنى آخر، تتطلب البنود لحظة خارجية ملائمة والشروع الدولي في ايجاد آلية تنفيذ القرارات وكيفية بلورتها لجهة نزع سلاح الميليشيات وضبط الحدود اللبنانية – السورية. ولا يلغي عدم ملاءمة الصورة الحالية للقدرة على تحقيق هذه المطالب، أهمية استمرار التأكيد عليها والاستعداد للوصول إليها. ويتمثّل المعطى الذي تحقّقه “القوات” في مرحلة الانتظار، بتأمين التوازن السياسي والأرضية الاعتراضية كمرحلة مواجهة النظام السوري في لبنان. وتعتمد معراب على معايير التنظيم والإصرار والعلاقات والمشروع التاريخي بهدف كسب الجولات في المواجهة السياسية المفتوحة مع “حزب الله” ومواصلة إحراز النقاط المتقدّمة للعمل على تحرير الدولة من الهيمنة. وتركّز على الدور الذي تضطلع به في مواجهة مشروع تغيير هوية لبنان.
عملياً، يرى مراقبون أن التجربة “القواتية” لا تزال قيد الاختبار والتجربة لكونها لم تتسلم أسس زمام السلطة. أما بعض بنود البرنامج التي تحققت حتى اللحظة، فكانت بما يخصّ العملية الانتخابية بعدما نجحت في تثبيت حقّ المغتربين بالاقتراع للنواب الـ128 واستقدام لجنة مراقبة دولية على الانتخابات. ولا يزال أمامها تنفيذ الميغاسنتر والبطاقة الممغنطة. ويلاحَظ تفرّد البرنامج “القواتي” تحت مسمى “كيف فينا” بفقرات خاصة للإضاءة على مشاريع قوانين قدّمتها وأفعال في سنين سابقة، منها على سبيل المثال المساهمة بفعالية في إقرار قانون الانتخاب الحالي عام 2017، واستكمال مشاريع المكننة وتحديث المواقع الالكترونية للوزارات والإدارات العامة عام 2019 خلال توليها وزارة التنمية الادارية، وإقرار قانون تعليق العمل بالسرية المصرفية لمصلحة التدقيق الجنائي عام 2020، وإقرار قانون استقلالية السلطة القضائية وإحالته إلى الهيئة العامة عام 2021، وتقديم ملفات عدة للتفتيش المركزي ودعاوى أمام القضاء من وزراء الصحة والاعلام والشؤون الاجتماعية، والتمسك بالاحتكام الى إدارة المناقصات.
إلى ذلك، ينصّ برنامج “القوات” على عناوين تشكّل “أخذاً ورداً” في المرحلة الراهنة في أروقة المجلس النيابي أو الحكومة، ومنها اعتماد التصويت الالكتروني، وتقليص حجم القطاع العام، واختصار عدد البعثات الديبلوماسية؛ واقتصادياً، الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية صغار المودعين وإصلاح المالية العامة وإدارة أصول الدولة والتطرق إلى خطط النهوض بالقطاعات بدءاً من الكهرباء. ويتمثل البند الذي يشكّل “حالة خاصة” في المقترحات “القواتية”، استكمال الاجراءات القانونية واللوجستية لفتح مطار الرئيس الشهيد رينه معوّض. ويُعتبر الاقتراح معطوفاً على اللامركزية بمثابة أحرف عريضة أساسية مصطدمة بغياب القدرة التطبيقية باعتبار أن الشق المالي منها يشكّل محلّ اعتراضات واسعة لدى كتل نيابية عدّة. وكذلك، لا يبدو “المطار الثاني” الذي يُعدّ مطلباً شعبياً لدى مجموعة فئات على جدول أولويات التكتلات البرلمانية. ومن جهتها، لا ترى مصادر “القوات” محض مصادفة في عدم تطبيق اللامركزية الادارية، بل إنها نتيجة سعي فريق سياسي إلى إبقاء الدولة في إطار نفوذه وسيطرته. وتراهن على وضع موضوع لامركزية المطارات والكهرباء على طاولة البحث بعد مرحلة الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويُطرح السؤال الأكبر حول القدرة على تحقيق الاهداف الكبرى من دون لمّ شمل المحور السياديّ، فيما لم تصل المساعي “القواتية” إلى نتائج مرجوّة للانتقال إلى جبهة سيادية واسعة. ولا تغيب الاختلافات في وجهات النظر بين النواب الـ67 حول استحقاقات مفصلية خيضت في الأشهر التالية للانتخابات النيابية من انتخابات نيابة رئاسة البرلمان ومكتب المجلس وصولاً إلى هواجس تضعضع على مشارف استحقاق الرئاسة الأولى، وإلى أي مدى تضعف هذه الصورة معنويات “القوات”، خصوصاً أنّ رهانات معراب التي سبقت الانتخابات لا تشبه واقع حال نواب المعارضة المستقلين والمتكتلين؟ تؤكد الأجواء “القواتية” الصعوبات الحاضرة وسط أكثرية تعدديّة لا يبدو سهلاً جمعها بسرعة، لكنها تشير إلى ضرورة تحمّل الكتل السيادية والتغييرية مسؤوليتها للوصول إلى مناخ ثقة متبادلة للاتفاق على مساحات مشتركة. وتبقى الكلمة الأساس لدى معراب في المرحلة المقبلة بالصمود والاكمال في النهج، وانتظارها ظروفاً سانحة للتقدّم إضافياً إلى الأمام.
