#dfp #adsense

وزنات دير مار شليطا القطّارة

حجم الخط

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1731

عِبرَ توالي أزمنةِ عهودِ الرب من قديمها إلى جديدِها كُلَّما كان للسماءِ عهدٌ رجائيٌّ لأهل الأرض كانت مواعيدُه تَحطُّ كالنّورِ والنّارِ فوق رؤوس الجبال!

عندَ بدءِ ترسيمِ وتفعيلِ وتدوينِ الحركةِ الجغرافيَّةِ للعهد القديم صعدَ أبراهيمُ أبُ الآباء حتَّى قمة جبل المرايا يُتَمِّمُ نَذرَ الفداءِ الهجينِ بصلبِ إبنِه وبِكرِه إسحق فوق لهيب مِحرقةِ التَّقادم المُستَهجَنَةِ، وفوق جبل الشَّريعةِ في حوريب تسلَّم موسى لوحَ الوصايا ذاتَ اللاءات العشر النّاهية، وعندَ مشارف العهد الجديد سارت بتولةُ النّاصرة مريم إبنة يواكيم وحنّة إلى جبل يهوذا تحفظُ في قلبِها سِرَّ زيارةِ خدمةِ نسيبتها أليصابات ليكون جنينُ الروح القدس في أحشائها العذريّةِ أوَّلَ زائرٍ مسكونيٍّ تستقبِلُه تلك «الحُبلَى بشيخوختِها» بتهليلةِ الأجيال: «مِن أين لي أن تأتي إليَّ أمُّ ربّي»، وليرتكضَ جنينُ الأمُّ الشيخةُ في بطنها كأنَّه حركةُ جميع شعوب المسكونةِ الموعودةِ بالمعمودية والتَّوبةِ والخلاص.

فوقَ جبلِ التطويبات كان موعدُ يسوع المُشتهى مع المساكين بالروح والجِّياعِ إلى البِرّ. فوق طور طابور تجلَّى صوتُ الآب بملءِ الأبوَّةِ الجيّاشة: «هذا هوَّ إبني الحبيب الذي بهِ سُرِرت»، وفوقَ جبلِ الجمعةِ العظيمة وَسطَ خسوف الشمس وزلزلة أركان الهيكلِ السُّليمانيِّ دَوَّى إعتراف قائد المئة :»بالحقيقةِ كان هذا إبن الله»!

حلولَ وَسَطِ القرنِ التّاسع عشر وفوقَ جبل إيليج أيقونةِ الأُمَّةِ المارونيةِ وسيدة الشهداء تشيَّدَ عهدٌ عمرانيُّ رهبانيٌّ بيبليٌّ جبليٌّ جُبيليٌّ لبنانيٌ فيه رموزٌ وتشابيه من سلسلةِ جبال اللكام وجَرجومةَ وقورش حيثَ تأسَّس ونهضَ كيان المُتمرِّدين على أمجادِ الدُّنيا ومناصبِ الدَّواوين، العاصين على مذاهبِ ومناهج ونواميس ملوك الزمانِ الزّائلِ، المُعتصمين في عراء الطبيعة حليفُهم الوحيد هجيرُ الصَّيفِ وزمهرير الشِّتاء، ليس لهم إلاَّ إيمانُهم وحريَّتُهم وشقاؤهم يُسنِدون إليها رؤوسهم!

16 تشرين الأول 1847 إلتأم المجمع العام للرهبانية اللبنانية المارونية برئاسة الأب العام عمّانوئيل الأشقر الشبابيّ ليصدر عنه قرارُ فصلِ بعضِ أرزاق وأملاك دير سيدة ميفوق لهدف وغاية تشييد ديرٍ على إسم القديس ذي الماضي العسكري شلّيطا فوق تلالِ محلَّةِ القطّارة!

شهر نوّار 1848 تمَّ بناء وإنجازِ بعضِ الغُرَفِ والقلالي الرهبانية في أرضظ «عين رام»، وعام 1850 بدأَ الأب العام لورنسيوس يمٍين الشبابيِّ ببناء الدير الحالي الذي اكتمل بنيان كنيسته عام 1861 التي زارها البطريرك الماروني بولس مسعد مُتبرِّكًا مُكرِّسًا مذبحها!

23 أيلول 1871 إنعقدَ مجمع المُدبرين العام في دير مار مارون عنّايا لأجل إصدار قرارِ فصلٍ جديدٍ من عقاراتِ دير سيدة ميفوق في حَقلَتَي «وطى مار سبتا» و»نبعة وادي الكروم «لتعزيز أملاك دير مار شلّيطا القطّارة ثمَّ إعلانه مدرسةً رهبانيَّةً لتعليم اللغات الأجنبية!

بين عام 1283 وعام 1978 مَرَّت 695 سنة كيوم أَمسٍ في عين الرب وكيومِ غدٍ تُستعادُ مِن أمسه العابر عِبرٌ تتجانس فيها الوقائعُ والأحداثُ ومعابرُ مُتجدِّدةٌ ينطلق منها حَمَلةُ الرماح والصلبان والجبال والأمانات ليدوموا في خوضِ معارك البقاء الأصعب والأكلف ثمنًا مدفوعًا منذ 1600 سنة من جراحِ ودماء المنذورين لميراث المُكَرَّسين لبذل الذات!

نوّار 1283 ومن مثلّث ميفوق ـ إيليج القطارة قاد قيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب البطريرك الشهيد دانيال بطرس الحدشيتي رجاله الأشدّاء ليقود معركة الدفاع عن المعقلِ المارونيّ الشمالي عند بوّابة حصن سيدة إهدن صدًا لجحافل السفّاح المملوكي قلاوون. وإلى هذا المثلَّث الفاعلِ في سفرِ التكوين اللبناني الحرّ، وصل أوائل صيف 1978 قائد وحدات ثوار الشمال سمير جعجع مع رفاقِه الثائرين على ورثة المماليك وخيانة المقدم سالم ومطامع إبن الصَّبحا دون ندامتِه والثائرين أيضًا على ظُلمِ ذوي القُربى…

صيف 1978 وبقرارٍ شخصيٍّ من مار يوحنا مارون ومار دانيال الحدشيتي ومار أرميا الدملصاوي ومار جبرائيل حجولا تمَّ إعلان دير مار شليطا القطّارة ديرًا مقرًا لرهبانية رهبان الأساكيم الزيتية المًستبدلين نذور الطاعة والعفة والفقر بنذور وَهبِ الدّم والروح والحياة!

رهبانٌ زيتيون اختبروا في قلالي دير القطّارة تقشُّفَ خبزهم ومأكلهم وتزهُّدَ ملابسهم ومقتنياتهم، فلم يمتلكوا مِن غِنى إلاَّ مصابيحَهم المُمتلئةَ من بريق عيونهم الساهرة في هجعات ليالٍ طويلةٍ على حدودٍ لم تأتمِن غيرهم على السَّهرِ عليها من غزوات لصوص الإحتلال الذين لا يُتقنون التسلُّل إلاَّ من ظلمة ضمائر الخيانة ومن عتمات النفوس الذميّة!

دير مار شليطا القطارة ورهبانه الزيتيّون كانوا على طول خطوط الشمال كما كانوا في الجبل والإقليم وصولاً حتى الحدود المُطوّقة بين بني وحوش وبني صهيون…

من المعلّم الحرديني مُفوِّر الغلال الزهيدة داخل قبو مونة دير القطارة اتقنوا تفوير قلوبهم بشجاعةٍ شابهت الأسطورة، وتفوير دمائهم بكل جبهةٍ كانوا قديسيها وشياطينَها  مُدركين كل الأدراك أنَّهم يدافعون عن شعبٍ بعضُه سيسلِّمُهم إلى الموت، وبعضهُ سيُقدِّمهم لقضاة الظلم وشهود الزور، وبعضه سيُنكرهم قبل صياح الديك وبعده، لكنَّهم كانوا على قدر إيمانٍ لا يميل ولا يتمايل بأن دير القطارة فرعٌ قدسيٌّ من أصل قورش وكفرحي ويانوح وإيليج وقنوبين!

30 نيسان 1990 كان اليوم الأخير لزمن رهبان الأساكيم الزيتية واليوم الأول لتسليم البندقية…

لأجل سلامٍ أشبه بعشرة عصافير على الشجرة وليس عصفورٌ واحدٌ في اليد سلَّمنا أمننا وسلامنا لمن لا يؤتَمنون على بيضةِ دجاجةٍ.. وذلك بعد أن نادى شعب برأبّاس بصلبنا وتبرئةِ عُتاة لصوص الذميَّةِ والتبعية والنذالة والخساسة!

أجيال تسلِّم أجيال ومن يجرؤ على تسلُّم وزنات جيل دير مار شليطا القطّارة.. ومَن يحقُّ له أن يتَّجه إلى المكاتب والمناصب والكراسي باسمِ الذين لم يتوجّهوا إلاَّ إلى جبهات بذلِ الدم والروح وسفكِ زهوة الشباب.. ما هي حدود صلاحيّة بعض الأيادي العاملة على استبدال زيت قرابين البدلات الزيتية بشتّى نماذج العطور…

ومن يتحمَّل مسؤولية تقريع الجيل الزيتيّ البهيّ المُقتبِس عن المعلم قوله: «الجيل الملتوي الشرير يطلبُ آيةً فلا تُعطى له إلاّ آية يونان النبي»، ويونُاننا بدلاً من الثلاثة أيام قد مكث في بطن الحوت نيِّفٍ وإحدى عشرة سنة!!

أخطرُ أصابةٍ يًصابُ بها المُقاوم هي أصابتُه بعين النمرة الزرقاء وبعين العملة الخضراء، من هنا نرفع الرجاء الصافي إلى رفاقنا نواب «القوات اللبنانية» كلٍّ بشخصه الكريم لأن يصعد إلى تلال القطارة وتمضية نهار كامل في ترحاب مار شليطا ليُدرِك بالعين الرهبانية والروح القربانيّة ماذا هو يُمثُّل ومن هم الذين إكتسب برلمانيَّتَه من زيتهم وزيتيّاتهم!

الخاتمة الجوريَّةُ وقفةٌ عند أبوابِ أخوتنا ورفاقنا السّاكنين ملكوت أضرحة إيليج أم الشهداء وملكتهم على رجاء قيامة مجد لبنان نُصغي في جوارهم النوراني إلى مقطع من وصيّة كنّارة الروح القدس أفرام الإلهي السرياني لتلاميذة: «أيها الأخوة، يوم يدعوني الربُّ من هذه الفانية لا تضعوا جثمانيَ الفانيَ قُربَ أضرحةِ الشهداء لأنِّي لا أستحقُ، وأخشى الإقترابَ من عِظامهم»!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل