.jpg)
حينَ يشتركُ في النِّفاقِ أشخاصٌ كُثُرٌ، يُنظَمون في صورةٍ واحدة، على تَبايُنِ طبقاتِهم، واختلافِ نوعِهم، ومراتِبِهم، وتَفاوُتِ منازلِهم، كأنموذجٍ مَرجَعِيٍّ في معرفةِ هؤلاءِ القَبيحي الرّواية، والطَليقي الكَذِبِ في ما يعملون، وما يقولون، بالرَّغمِ من أَنْفِ ما يُشيِّعون، زُوراً، من دلائلِ الوقارِ والرّزانة. والغَريبُ أنّ لبنانَ رُبّما أَلقى بنفسِهِ في حالِ الصَّمَم، وأماتَ إحساسَهُ بالجيّدِ على مَطالِعِ الغِشِّ وهفواتِ الميول، هذه التي لم يكنْ لِمَنْ أتاها حياءٌ أو سِتر، إيثاراً للكرامةِ، وصَوناً من الدَّنَس، وابتعاداً عن مواطنِ الإبتذال… ولا عَجَب !!!
لقد قدَّمتُ لِأَصلَ الى أسئلةٍ في سؤال : مَنْ ذا الذي، عندَنا، هواهُ مُرَشَّدٌ بهَوى الوطن، فيفصلُ نفسَه عن الذين خلعوا نفوسَهم عندَ أبوابِ الخيانة ؟ مَنْ ذا الذي، عندَنا، يُسرِفُ في التَصَوُّنِ صادّاً شهوتَهُ عَمّا انساقَت إليهِ سيرةُ سِواه، في مواطنِ الشّبهات، والظُّنونِ ؟ مَنْ ذا الذي، عندَنا، يأبى أن يجنيَ الطيِّباتِ وزينةَ الدّنيا من غُروسِ النَّهبِ، حِرصاً على نفسٍ أبيّةٍ، وسمعةٍ لا يريدُ أن تُهَشَّمَ بتَعييرٍ أَجْرَحَ من حَدِّ النَّصل ؟
لا وساطةَ بينَ الفضائلِ والمَعايِب، بينَ وقايةِ القَدْرِ وشناعةِ العُقوق، بين مَنارِ الإسمِ والإشمئزازِ من الذِّكر…وهذا الحِرصُ على إبعادِ الوساطةِ، ليس إسرافاً في بابِ التعصّبِ، بقَدر ما يَحوطُ به من صِلَةٍ مع نُصرةِ العدلِ، وإنصافِ الحقّ. ومَنْ سعى الى هذه الوساطةِ، كَمَن يُنكِرُ الشُّبهةَ إذا حصلَت، والعَيبَ إذا وقع، أوليسَ مِنْ قَبيحِ الرّذائلِ، التَسَتُّرُ على المُستَقبَحِ باستنباطِ البالي من تَكَلُّفِ الكَذِبِ، إذا ضاقَتِ الحِجّة ؟؟ وهذا بالذّات، ما غَزا زمانَنا، في لبنان.
إنّ الكلامَ في ” واحدِهم” ، وهو ليسَ شاهداً صَدوقاً، وأَمّاراً بخالِصِ الوفاء، ومتفرِّداً بالصّفاء، هو كلامٌ آمِنٌ من شَكِّ الإعتقاد، ومن فائضِ الإجتهاد، فلا يحتاجُ الى فصاحةٍ في تَبيانِ الفساد. لستُ أستشيرُ أحداً ليدلَّني عليه، ويُرشدَني إليه، يكفيني أن أقولَ، بعدَ زَيْنِ هذا الكَفِيِّ من ” اللّاشَهامةِ الوطنيّة “، إنّ لبنانَ لن يُسَلِّمَ سِرَّه له، ولن يزيِّنَ ظاهرَه به، ولن يبذلَ إنصافاً له وهو جائِر، ولن يُسكنَهُ في الهدايةِ وهو ضالّ، ولن يتهلَّلَ أمامَه بأَذكى اللَّحظِ وهو فاسدُ الأخلاقِ، وصَنّاعُ النِّفاق.
كُثُرٌ هُمُ أبناءُ الذّنوبِ، عندَنا، ومن علاماتِهم قُبحُ مقاماتِهم، وآياتُ جِناياتِهم، ومُنكَرُ صنائعِهم، ولهم، في كلِّ ذلك، حصيدٌ وغزارة. والعَيبُ أَنْ لا حسابَ، ولا عقاب، فالكلُّ يُبَرِّئُ جِلدَه من جَسارةِ الإتّهامِ، حتى بَكَت ثُغورُ العَدل، وسُيِّبَ الإنصاف، ولم تَعُدْ تَفوحُ، في جهنَّمِنا، إلّا مَجامِرُ الشّياطين.
ولكنّ أهوالَ السّكاكينِ والثّعابين، والإسرافَ في الحقدِ والبَغض، وتنظيمَ العَمالةِ والعُيوب، كان لها، مع هذا ال ” واحدِهم “، برنامجٌ لم يعرِفْهُ أسلافُه، ولم نَقَعْ في أغراضِهِ عندَ مَنْ سَبَقَهُ مِن مُجيدي الموبِقات. فهذا السَّكرانُ بوكالةِ التَحَكُّم، والمُستَغرِقُ بلذَّةِ التّيهِ، والظّانُّ بأنّ ” قارونَ ” هو وَكيلُ نَفَقَتِهِ، وأنّ ” بَلقيسَ ” هي إحدى داياتِهِ، ليسَ سوى مُنَكِّلٍ بحقوقِ النّاس، اختلاساً، وصَفَقاتٍ، وفنونَ نَهب، فلا حِرفَةَ خُبثٍ إلّا وقَلَّدَتهُ وِسامَها، ولا خليقةَ صِدقٍ إلّا وانسلَخَت عنه، هَرَباً من أن تُصابَ بالدَّنَس.
قالَ خَيّاطُ الأَطباعِ إنّ النَّهبَ قميص، جَيبُهُ السَّلبُ، وطَيّاتُهُ الخِداعُ، ودَرزَاتُهُ الغِشُّ، وكُمُّهُ اليَدُ الطّويلة، ولابِسُهُ صَفوَةُ السارِقين. ومَنْ قالَ إنّ ” واحدَهم ” لم ينسجْ قمصاناً على مِثالِ قميصِ هذا الخيّاط ؟؟ ومن المُؤَكَّدِ أنّ النّاسَ الذين أَضناهم العَوَزُ، وفَقَّرَتهم غرائزُ هذا ” الواحد “، سوفَ يبرزُ منهم ناسِخٌ يَجمَعُ كِتاباً، على طِرازِ حكاياتِ ” علي بابا …”، وسيصِلُ الى ما يريدُ، في مُؤَلَّفِهِ، من غيرِ مشقَّةٍ ولا عَناء، أَخباراً تَنبو عن قَبولِها الأطباع، ولا ترفَعُ لها حُجُبَها الأسماع، لضَلاعةِ صاحبِها من مَتاعِ الدّناءةِ، ومن لَبوسِ الخِسَّةِ، ومن أَكلِ لَحمِ النّاس.
وبعد، قيلَ لي : لا تُطِلِ الطَّوافَ في غَدرِ هذا ” الواحد “، وفي أَلاعيبِهِ، فهو لا يستحقُّ حتى الإشارةَ إليه. لكنّني، وحتى لا تَعتَبَ الأيامُ علَيّ، وحتى أَجلُوَ غياهبَ هذا ” الواحدِ ” المُظلِمَة، أوجَبتُ على قَلَمي أن يواجِهَ ما رأيتُ في ” الواحدِ ” من قُبحِ السّيرةِ، وأَماراتِ السّوء، وتراكيبِ العُيوب، وضَوضاءاتِ التَجَنّي، ومَقاصِدِ المصلحةِ، وغَسلِ اليَدِ من السَّرقات… ربّما تُزجَرُ النّفوسُ عن متابعةِ الشرّ، وينجوَ لبنانُ مِمَّن ابْتُلِيَ بهِ، وصَبَر.