.jpg)
بعدَ أَنِ استمَعتُ الى مُمَدِّحي أنفسِهم، مُستَهلِكي التَّدبيجِ الأَعوَر، والبَلاغِ المَقيت، تذكَّرتُ ما قامَت بهِ إحدى المجلاّت في بريطانيا العُظمى بِنَشرِ دراسةٍ من الأهميّةِ بمكان، تتعلّقُ بالصحّةِ النفسيّة، وبتوسيعِ نِطاقِ خِدماتِ العقل، مُستَنِدةٍ الى معلومةٍ عِلميّةٍ مُجَرَّبةٍ وهي أنّ بإمكانِ نَبتَةِ المَردَكوش، وهي عُشبةٌ عطريّةٌ كالنّعناعِ والرّيحانِ والزّعتر، أن تُساهمَ في تقويةِ الخلايا العصبيّةِ في الدّماغ، ما يخَفِّفُ من إمكانيّاتِ التشنّج، ويؤدّي، حتماً، الى تأخيرِ ما يُسَمّى العُتْهُ الدِّماغيُّ، أو الهلوسةُ في وسائلِ التّفكير. وتُستَخدَمُ هذه النّبتةُ، كْلينيكِيّاً، لِتَحسينِ الإتّصالاتِ العصبيّةِ الدِّماغيّة، ما يُساعِدُ على التَّركيزِ والرَوِيّة، وبالتالي، على تمتينِ حالةِ الوَعِي.
من المُفرِحِ، والمُفرِج، وبِلا أدنى شَكّ أنّ نبتةَ المَردكوش اتَّخَذَت من بلادِنا مَوطِناً، لِعِلْمِها أنّ الكثيرين، عندَنا، يستطيعون الإفادةَ من خدماتِها، وخصوصاً أولئِكَ الذين يتعاطَونَ الشأنَ العام مُتَنَكِّبينَ السّلطةَ والزّعامة ويُتحِفونَنا بنَبراتِهم التي يترسَّبُ فيها الإنفكاكُ عن المنطقِ والعقلانيّة، وبِمُداخلاتِهم الرديئةِ المُتَمَفصِلَةِ على الهَوَسِ وهو عَدوُّ الرّزانةِ اللَّدود، وهم يتمخترونَ على وسائلِ الإِعلام، وعلى صفحاتِ التّواصلِ الإجتماعيِّ، وقد تَدَلَّت أذنابُهم أَلقاباً.
إنّ رفعَ سَقفِ المُراجعة، والغَربَلة، والمراقبة، قبلَ إطلاق سَراحِ التّصريحات، والطلاّت، والتّغريدات، وتركيبِ الكلام، لم يَجِدْ سبيلاً الى هؤلاءِ المُندَفِعين الى اللَّتِّ، وابتكارِ البِدَع، والإسفاف، بمعنى أن لا مواجهةً مفصليّةً، في أَمخاخِهم العاثِرة، بين الأنا الأعلى المُهَذِّبِ، والمُشَذِّب ( المُشَحِّل )، وبين الإحساسِ بالدَّغدَغَةِ الهَذَيانيّة، وحتى بنَشوةِ الهلوسةِ عندَ بعضِهم، جرّاءَ الإستفاضةِ في هوامشِ الكلامِ المُتَصَدِّع، وقُبالةَ ما تَستدعيه “ظهوراتُهم” المُخَدِّشةُ للسَّمعِ والبَصَر، من تَصفيقِ المُتَلَقّين من أَتباعِهم، وتابِعيهم، غيرِ المَعصومين، بتاتاً، عن الشَّطَطِ، والغَباء. من هنا، أصبحَ، من لُزوميّاتِ ما يَلزم، ومن الواجِبِ المُلِحّ، تعديلُ الموازين التي ترعى العلاقةَ بين عملِ العقل، وبين ما يَتَفَلّتُ منه من ضوضاءِ طُبول، حتى لا يَطغى الضَّجيجُ الشَّنيعُ ويغتالَ الأَسماع، فتحتاجُ الآذانُ، بالتالي، الى صِيانة.
لقد تتالَتِ الأحداثُ، في الآونةِ الأخيرة، وكلُّها مُؤسِفٌ دامٍ، منها جريمةُ المرفأ التي سُفِكَ حقُّ ضحاياها على نَصْلِ عُقوقِ المُجرِمين في الحكم، ومنها، أيضاً، ما يقاسيه النّاسُ من قَهرٍ، وجوعٍ، وذلّ، وعَوَزٍ، وأَمَلٍ مُعَكَّرٍ باليأس، ما يَستوجبُ، أخلاقيّاً، أن تتفاضلَ كفّةُ الصّمتِ المُحترِمِ لإصابةِ الوطنِ بالفواجع، ولدموعِ الشّعبِ المُعاني فداحةَ تَداعياتِ التّآمرِ عليه، على كفّةِ الثرثرةِ العوراء، وزَعيقِ الفراغ، وخطاباتِ القَحطِ المُسِفَّة.
غير أنّ المُصابين بالتأخّر الذّهنيّ، والذين يعيشون في مواسمِ الإنشاءِ العاقِر، لا يتراجعون عن إطلاقِ العنانِ لألسنتهم المَبتورةِ التَّعبير، والتي تعكسُ التدنّيَ السّافِرِ في القُدراتِ الفَهمِيّةِ لأصحابِها، والقُصورَ في سلوكِهم التكيُّفي، ليبدوَ، واضحاً، التَّبايُنُ السَّحيقُ بين عمرِهم الذِّهنيّ، وبينَ عمرِهم الزَّمَنيّ. إنّ هؤلاءِ المُتَفَوّهين الذين لا يُتقِنون سوى صِناعةِ الكلامِ الهابِط، وفي خَلطَةٍ واحدةٍ مُعَدَّةٍ سَلَفاً في غالبِ الأحيان، يَبرعون، وعن عَمدٍ، في تضليلِ بعضِ الرأيِ العام، وفي تَتْييهِ أنفسِهم بما ينطقون من “جواهرَ” قبيحةٍ، تُشبهُ السّقوطَ في الوَحل. فالأحداثُ المَعيوشةُ المُستَأثِرةُ بالنّاس، تُعبِّرُ، بنفسِها، عن نفسِها، من دون الحاجةِ الى “تَنويراتِ” هؤلاءِ الغَيارى الذين يُساهمون، وبِبَلادَةٍ، في احتقارِ عقولِ الناس، بكلامٍ ممجوجٍ تفوحُ منه روائحُ الدَّجَلِ، والإثارةِ، والتّحريض، وكأنّه يَتَمَختَرُ في سوقِ نخاسةٍ سياسيةٍ، تنسحبُ على امتدادِ الشاشاتِ الصّفراءِ، والصّفحاتِ السّوداءِ البائسة.
إنّ تَداوُلَ الواقعِ المَأسَويِّ بهذا المستوى من التّشويه، والتَنافسِ في التّقبيح، وتَجاوُزِ المَقبولِ في التّحليلِ المُتَخَيَّلِ أكثرُهُ، والدّافعِ الى الإحباط، والفِتنة، يدفعُنا الى دعوةِ أصحابِ الخطاباتِ المَطليّةِ بالضَّرَر، وبعدمِ الإتّزانِ والرويّة، الى القيامِ بنُزهاتٍ في الطّبيعةِ اللبنانيّة، علَّهُم يُلَملِمونَ بعضَ العقلِ، وهم يَلُمّونَ بعضَ المَردَكوش.