.jpg)
في تفنيد للإشكالية المطروحة على الساحة السياسية، والمتعلقة بصحة نقل صلاحيات رئيس الجمهورية لمجلس الوزراء مجتمعاً، حين وجود حكومة مستقيلة تصرف الأعمال، نلجأ للدستور ولما ورد فيه لهذه الجهة لحسم هذا الجدال، ولصلاحية كل السلطات الواردة فيه، فيتبين ما يأتي:
يتكلم الدستور عن صلاحيات رئيس الجمهورية ضمن الفصل المخصص للسلطة الإجرائية، ويعتبر الدستور بذلك أن رئيس الجمهورية هو جزء من السلطة الإجرائية، ضمن الصلاحيات المحددة له فيه. وتبعاً لذلك، فإن صلاحيات رئيس الجمهورية مرتبطة بمعظمها بشكل أو بآخر بهذه السلطة الإجرائية ومن بينها إصداره للمراسيم ونشرها بتوقيعه عليها ضمن مهل محددة.
وتبعاً لذلك، فإن صلاحية رئيس الجمهورية لهذه الجهة مرتبطة تماماً بمجلس الوزراء وما سيصدره من مراسيم أو ما يحق له إصداره في حال اعتباره حكومة تصريف أعمال، ولا يستطيع رئيس الجمهورية بصلاحياته كاملة أن يتخطى ما يصدر عن الحكومة من مراسيم، فهو إما يوقعها فتصدر عنه وإما يرفض توقيعها فتعتبر صادرة حكماً ضمن مهلة محددة.
وإذاك، وعندما يقتصر دور الحكومة على تصريف الأعمال، فصلاحيات رئيس الجمهورية سترتبط حكماً بمدى سلطة هذه الحكومة أيضاً، عدا لجهة صلاحيات رئيس الجمهورية في رد القوانين للمجلس النيابي أو في إمكانية تأجيل جلساته أو حله في حالات محددة مذكورة في الدستور.
وبناءً عليه، فإن نقل صلاحيات رئيس الجمهورية لحكومة مستقيلة تصرف الأعمال، سيشكل ضمانة إضافية أكيدة إلى عدم إمكانية هذه الحكومة تخطي حدودها في استعمال صلاحيات الرئيس وكالة، وهي ستقتصر على ما هو مرتبط بصلاحياتها في تصريف الأعمال، دون ما عداها من صلاحيات كرد القوانين أو تأجيل جلسات المجلس النيابي أو حله، ومن الطبيعي عدم استعمال أية حكومة لهذه الصلاحيات وكالةً عن رئيس الجمهورية، كون استعمالها سيناقض مبدأ فصل السلطات بين السلطة التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي يقدم ضمانة إضافية في هذا المجال لعدم استعمال هذه الصلاحيات المشار إليها من حكومة تصريف أعمال وعدم إساءة استعمالها، فتصبح بذلك صلاحيات حكومة تصريف الأعمال هي نفسها كما صلاحيات الحكومة العادية كون كلاهما لن يتمكن من استعمال صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً في رد القوانين للمجلس النيابي أو تأجيل جلساته أو حله، ذلك احتراماً لمبدأ فصل السلطات.
أضف إلى كل ذلك، فإن الدستور لم يشر لا من قريب أو بعيد، إلى صلاحيات تصريف الأعمال لرئيس الجمهورية في حالات استثنائية، بل جل ما ذكره الدستور هو انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية لمجلس الوزراء، في حال شغور سدة الرئاسة.
وأبعد من كل ذلك، فإن الدستور اللبناني، عند كلامه عن خلو سدة الرئاسة في المادة 62 منه، ونقل صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة، لم يفرق بين حكومة مستقيلة أو غير مستقيلة، بل أشار إلى إناطتها بمجلس الوزراء وكالة، الأمر الذي يقطع كل كلام عن تفريق أو منع لنقل هذه الصلاحيات لحكومة تصريف أعمال.
ويبقى وجوب الإشارة، إلى أن الدستور اللبناني، لم يشر أو يلمح في أي مكان منه، إلى إمكانية استمرار رئيس الجمهورية في تبوء كرسي الرئاسة الأولى بعد انتهاء مدة ولايته، تحت أي حجة أو مسمى. فيكون اعتماد هذه الوسيلة والبقاء في سدة الرئاسة الأولى لحظة واحدة، بعد انتهاء ولاية الرئيس تحت أي حجة كانت، خرقاً فاضحاً للدستور نفسه، وانتحالاً للصفة وتعرض مرتكبها للملاحقة والمحاسبة، وتصبح حكومة تصريف الأعمال ضمانة لعدم إساءة استعمال صلاحيات الرئيس من غير ذي صفة.
