#dfp #adsense

من سقراط والمسيح إلى بشير ورفاقه… الشهادة المستمرة

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1732

مع إطلاق حرب الإلغاء في وجه «القوات اللبنانية»، بعد خسارة حرب التحرير، بلغ الشطط والغضب بميشال عون نتيجة الكارثة التي أحلّها بالمسيحيين والمنطقة الحرة ولبنان، حد القول في مؤتمر صحافي تبريري: «دلّوني على شهيد واحد سقط  لـ«القوات اللبنانية» خلال حرب التحرير.»

حينها قفز ضابط في «القوات» من كرسيه، وراح بعدما تعثر وسقط أرضًا يخبط رأسه بالحائط إستهجاناً والدموع في عينيه. فقد تعثر لأنه فقد ساقيه خلال حرب التحرير بقذيفة هاون عند أحد محاور العاصمة وعاد يخبط رأسه بالحائط لأن رفيقه استشهد بتلك القذيفة تاركاً عائلة صغيرة تواجه قدرها.

 

وفي الواقع سقط لـ»القوات» في تلك الحرب المشؤومة بضعة عشر شهيدًا على جبهات عديدة، علمًا أن سمير جعجع في حينه، ولما أطلق عون حرب التحرير من دون أي تنسيق أو مشورة، إتصل شخصيًا بإذاعة لبنان الحر التي كنت فيها محررًا ومذيعًا، وطلب منا أن ننسى الخلاف مع عون ونعتبر المعركة معركتنا أيضًا ونستنفر جهودنا للمواكبة على مختلف الصعد.

ولذلك، وفي أيلول الشهداء، أكثر ما يهين الشهداء وذكراهم ورفاقهم والناس الذين سقطوا من أجلهم والوطن الذي ماتوا كي يبقى، هو النكران أو التنكّر أو إنكار تضحيتهم القصوى. فهل أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبائه، كما نوّه شارل مالك مرارًا بتضحيات من استشهدوا كي نبقى نحن، محذرًا من أن نسيانهم هو الخطيئة الكبرى، مستحضرًا بذلك مثال موت السيد المسيح على الصليب فداء للبشرية.

فالشهيد بحسب الكنيسة هو الذي يموت من أجل إيمانه، وكما قال لنا بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك لدى زيارته لدعوته إلى قداس الشهداء، إن الشهيد في المسيحية يحتل المرتبة الأرفع بين القديسين.

وقد توسع مفهوم الشهادة ليشمل كل قضية حق، سواء أكانت دفاعًا عن إيمان، أو عن حرية أو عن وجود، أو عن إنسان أو عن مجموعة تعاني الظلم أو عن وطن يتعرض للعدوان.

ومن هنا يحرص رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع دائما على اعتبار القداس السنوي على نية شهداء المقاومة اللبنانية المناسبة الأولى والأبرز لـ»القوات» على مدار السنة، وتشكل تتويجًا لمسار النضال المستمر، كما شكلت شهادة المقاومين تتويجًا لنضالهم.

يقول مثل لاتيني قديم: دم الشهداء زرع العدالة، فلولا الشهداء لما سقط ظلم وانكفأ معتدٍ، وتاليًا أزهرت العدالة، على غرار حبة الحنطة التي تموت في الأرض لتنبت بعد حين سنبلة تموج بالخير. وما يشفع أكثر بشهداء المقاومة اللبنانية أنهم لم ينضووا في جيش نظامي ولم يسألوا عن ضمانات وتعويضات ومراكز، بل حملوا البندقية وهبّوا من دون أي حساب أو إعتبار ليدافعوا عن أهلهم وأرضهم وكرامتهم وإيمانهم، وقد أدركوا دائمًا أن دورهم إستثنائي وموقت في ظل غياب الدولة وانكفائها، ولذلك فإن إحياء ذكراهم ليس لاستحضار بطولاتهم واستعادة صورهم ومسار نضالهم فحسب، بل لتذكير من ينبغي تذكيره بأن شهادتهم لم ولن تذهب هباءً، وللإتعاظ من تجربة الحرب وسقوط الدولة، وهو سقوط نواجه إحتمال تكراره اليوم ونقاوم من أجل الحؤول دونه.

في أحيان كثيرة يلتبس لدى البعض مفهوم الشهيد والضحية، فالشهيد من يسقط دفاعًا عن حق والتزاما بواجب، أما الضحية فهو من يسقط ظلما أو بسبب تعدٍ أو إهمال أو تقصير، وفي لبنان يمتزج للأسف المفهومان في حالات معينة، فالشهداء سقطوا من أجل وطن وأرض وإيمان، ولكن لم يُقدَّر لهم أن يسقطوا لولا انكفاء الدولة وتقصيرها في واجباتها تجاه الوطن والمواطنين، ولذلك هم أيضًا ضحايا هذا الواقع، وحالة تفجير المرفأ غير بعيدة عن الصورة، فهم شهداء إيمانهم بلبنان وتمسكهم بالبقاء فيه على رغم الأزمات الخانقة، وبعضهم شهداء الواجب كأبطال الدفاع المدني، لكنهم في الوقت عينه، هم جميعًا ضحايا جماعة النيترات والإهمال وتغاضي السلطة عن خطرها القاتل.

 

من سقراط والمسيح إلى بشير

يميل كثيرون إلى اعتبار الفيلسوف الإغريقي سقراط أحد أبرز شهداء العدالة، فقد عُرف الفيلسوف الذي عاش غالبا في أثينا بين العامين 470 و399 قبل المسيح أنه من أبرز الفلاسفة الأخلاقيين ودعاة التزام الحق والحقيقة في الفكر والأداء. وقد أزعج بتعاليمه سلطات أثينا التي اتهمته بالجحود لآلهتها وبإفساد الشباب، فحوكم صوريًا وعلى عجل، وأُعدم بعدما رفض عروضًا للعيش في المنفى أو لتأمين فراره من السجن.

ولا شك أن السيد المسيح بطبيعته الإنسانية هو الشهيد الأول، إذ لم يساوم أو يحاول الهروب، بل واجه الموت مدركاً أنه فداء عن الإنسان في كل زمان ومكان. وفي العهود المسيحية الأولى تطور مفهوم الشهادة، وراج استخدام عبارة الشهيد على مثال يسوع، مع تنامي الإضطهادات بحق المسيحيين والحكم عليهم بالموت بأشكال مختلفة، بعد رفضهم التخلي عن إيمانهم بالترغيب أو بالترهيب. وارتبط مفهوم الشهيد في الإسلام بالجهاد في سبيل الله، ولو اختلف تقدير الشهادة على غرار ما حصل في الحرب العراقية ـ الإيرانية حيث اختلطت الإعتبارات القومية بالمذهبية والدينية لدى الجانبين.

وفي ما يخص لبنان، فإن تاريخه حافل بالشهادة بمعناها الواسع، واعتبر العديد من المؤرخين أن أهالي صيدا الفينيقيين استشهدوا إراديًا بإحراق أنفسهم ومدينتهم رفضًا للإستسلام أمام الغازي الفارسي أرتحششتا الثالث.

كما وُصفت إليسار إبنة صور ومؤسسة قرطاجة بالشهيدة بعدما طعنت نفسها حتى الموت إنقاذاً لمدينتها الوليدة.

وكم من اللبنانيين سقطوا شهداء الإيمان والحرية في أزمنة الإضطهادات، ولا سيما في العهود الفاطمية والمملوكية والعثمانية، وبينهم بطاركة ورهبان ومقاومون رفضوا الذل والمهانة.

بعد الإجتياح الإسرائيلي وصعود «القوات» إلى الجبل، طلب بشير الجميل وبإلحاح من المقاتلين عدم التعرّض لشهداء الآخرين والمعالم الخاصة بتكريمهم، معتبرًا أن كلاً سقط شهيدًا من أجل لبنان بمفهومه. وسقط البشير ليصبح رئيس الشهداء، ماحيًا التمايز بين كبير وصغير، وهو ما يعزز صدقية القضية التاريخية التي استشهد من أجلها أبطال معروفون ومغمورون قوافل قوافل.

ولأن «القوات» وفية لذاتها وتاريخها، ولأنها لا تميّز بين شهداء المقاومة اللبنانية بمختلف مكوّناتها، تصلّي دائمًا وأبدًا لهم، ولا يمكن أن تحيد عن هذا الوفاء على موائد المكاسب والصفقات، وهذا ما يصعّب على كثيرين أحياناً فهم بعض مواقفها ومبادئها ورفضها التنكّر لتضحيات الشهداء أو تصنيفهم أو حتى محاولة الإستخفاف بهم أو إلغاء سجل استشهادهم من الضمير والذاكرة كما من الواقع والأداء.

 

انطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل