اذا لم تجر الانتخابات الرئاسية في موعدها ، وفق ما هو مرجح ، فان بعض الدول الغربية التي تهتم بلبنان ستخسر رهانها في اتجاهين : حصولها على ضمانات من مراجع رسمية بانها ستؤمن انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولاية ميشال عون وثقتها بهذه المراجع . والاتجاه الاخر هو عدم فاعلية الضغوط التي تمارسها على لبنان في تكرار لتجربتها ما بعد انفجار مرفأ بيروت في تأليف حكومة تلبي تطلعات اللبنانيين وتنقل البلد الى مكان اخر .
ما يجري في العراق حيث ادت الانتخابات التي اجريت فيه قبل عشرة اشهر الى تظهير مشهد سياسي لم يكن في مصلحة ايران وحلفائها ، الامر الذي ترجم في الحؤول دون انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة، يعتقد كثيرون انه سينسحب على لبنان في المرحلة المقبلة مع تعطيل اجراء انتخابات رئاسية من ضمن المهلة الدستورية وتاليا تأليف حكومة تترجم نتيجة الانتخابات التي جرت في ايار الماضي. اذ استغلت ايران في رأي بعض المراقبين غض نظر غربي بديهي مع الاستعدادات للعودة الى العمل بالاتفاق النووي من اجل محاولة توجيه ضربة قوية للتيار الصدري في العراق في وقت ضائع تعتبره في مصلحتها نتيجة عجز الدول المهتمة عن رد فعل قوي رادع علما ان واشنطن تركت العراق منذ زمن ليس بقصير. في لبنان حيث ضغطت الدول الغربية لاجراء الانتخابات النيابية في موعدها على سبيل ان تترجم هذه الانتخابات تطلعات الشعب اللبناني الذي انتفض في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩ ، وجدت ان تغييرا ملموسا حصل على رغم ان القوى السياسية وظفت كل قدراتها للبقاء حية سياسيا واستمرار امساكها بالوضع . وعلى رغم ما يتردد عن لبنانية الانتخابات الرئاسية وتركها لتوازن القوى الداخلية ، يقول مراقبون ان هذه المعادلة لم تكن صحيحة دوما ولا تصح راهنا كذلك . ذلك ان ” حزب الله ” وان كان يتحرك بهامش داخلي كبير بمعزل عن ايران الا انه لا ينفصل عنها فيما لها اهداف ومصالح تدعم الحزب لتحقيقها . واذا لم تدعم الدول صاحبة الضغط لاجراء الانتخابات النيابية الى منع تجاوز نتائجها ، كما جرى في الانتخابات النيابية وامانة سر المجلس، فان من المرجح ان يضيع هذا المكسب الانتخابي ولو الطفيف لمصلحة قوى مدعومة من الخارج وتجاهر بالعمل لتغيير المشهد السياسي او تثبيته على ما هو منذ سيطرة المحور المتمثل بالحزب وحلفائه كليا مع هذا العهد وفي انتخابات ٢٠١٨ . فالانتخابات التي جرت في العراق كما في لبنان ساهمت في تظهير مشهد سياسي مختلف كانت ترجمته في لبنان على الاقل رفض كلي وقاطع لادارة حزب الله وايران لبنان وكذلك كل من يشكل واجهة له على غرار حليفه المسيحي . مغزى ذلك الرغبة في إضعاف قبضة إيران على البلاد، لكن الابتعاد العربي البعيد اصلا والابتعاد الغربي من شأنه ان يترك المجال للحزب بتعميق قدرته على الاستمرار في الامساك بالبلد . وهذا لا يعني استدراج تدخل غربي او اميركي فيما لا نية لاحد بالتدخل ولا رغبة لديه ولا اوهام لدى احد بذلك ولكن ثمة حاجة الى اظهار توازن سياسي لا يترك البلد لفريق يجاهر بدعم ايران واستناده اليها بالسلاح والصواريخ والاموال وعلى كل المستويات لا بل يصادر حتى موضوع الترسيم الحدودي البحري مع اسرائيل لمصلحته فيما تتولى الولايات المتحدة الوساطة من اجل ذلك . ولكن عدم ترك فكرة ترجمة تطلعات اللبنانيين بالتغيير والدفع في اتجاه منحى انهاض لبنان وليس استنقاعه في المحور نفسه الذي ادى بالبلد الى ما ادى اليه هو ما يحرص عليه هؤلاء المراقبون في الاستحقاق الرئاسي والحكومي على قاعدة الدفع بهما في المهلة الدستورية ، وليس التغافل عن لبنان بحكم الانشغال بالمصلحة التي ستنعكس بالعودة الى العمل بالاتفاق النووي و تاليا المصالح المتقدمة مع طهران . وذلك علما ان ما قد يتبقى من اهتمام بلبنان قد يتغير كليا اولا بعد التوصل الى اتفاق ترسيم للحدود مع اسرائيل وثانيا مع استمرار القوى السياسية في الدفع نحو المزيد من انهيار لبنان لغايات تتصل بالمصالح والاهداف المباشرة لكل منها.
يهتم البعض في معرض البحث عن السبل لذلك بما اذا كان في الامكان اعادة الاعتبار للمعادلة السياسية الداخلية عبر فك ارتباط التيار العوني مع الحزب مع مغادرة ميشال عون قصر بعبدا في 31 تشرين الاول . ويعود ذلك الى ان تحالفه مع ” حزب الله ” النقطة المحورية التي دفعت بلبنان الى تغيير في التوازنات الداخلية والى تغيير وجهته السياسية ووجهه ايضا . فاذا كان هذا التيار فشل فشلا جسيما في رئاسته للبلد خلال ست سنوات ويعتبر رئيسه ان ادراجه على لائحة العقوبات الاميركية يعود لتحالفه مع الحزب وتغطيته وليس بسبب الفساد الذي يتهم به، وهو الذي ساهم في اخذ لبنان الى المحور الايراني ، هل يستطيع تصحيح موقعه ويعود الى موقعه الاول . هذا السؤال طرح في الواقع منذ بداية عهد عون مع اجابة مسبقة حتى لدى الاميركيين بانه لن يجرؤ على هذه الخطوة لاعتبارات يعرفها الجميع حتى لو نسب اليه البعض وجود عقله وقلبه في مكان اخر ولكن طموحه ومصلحته طغيا على ذلك ، وقد بات الامر اصعب وفق ما يعتقد مع رئيس تياره الذي سيحتاج اكثر لحليفه الشيعي في المرحلة المقبلة . ولعل الباب مقفل فعلا ، اقله في المدى المنظور ، نتيجة يأس هذا الاخير من تغيير في الموقف الاميركي كان يمكن مساومته عليه لولا ان العقوبات لم تحصل وفقا لقانون ماغنتسكي الذي يفرض الية للعودة عن العقوبات تقضي بدحضها قضائيا ، وذلك على رغم الاعتقاد بان رئيس التيار العوني لن يجرؤ بدوره على الابتعاد عن حليفه الاستراتيجي حتى لو اوحى بذلك او اراده . وذلك علما ان الامر لم يعد مهما الى الدرجة التي يخالها البعض نتيجة التحول الجوهري الذي فرض على طبيعة البلد ويؤدي الى تحولات قد يكون صعبا تحديد اضرارها راهنا .
