Site icon Lebanese Forces Official Website

رئيس لا يشكل غطاءً للحزب… متى اليوم الأخير؟

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1732

ليس خافيا على أحد أن فريق العهد حاول بشتى الطرق والوسائل ترحيل الانتخابات النيابية إلى ما بعد الرئاسية تجنبًا لاختبار شعبي خاسر يُفقده ورقة التمثيل المسيحي التي استخدمها من أجل تغطية فريق السلاح غير الشرعي.

الشكوك حول إجراء الانتخابات النيابية رافقت كل المراحل التحضيرية لهذه الانتخابات وصولاً إلى الأيام الأخيرة الفاصلة عن هذا الإستحقاق، بدءًا من الطعن بالقانون، وصولاً إلى رفض تصويت المغتربين في دوائرهم في لبنان، وما بينهما الكلام عن عدم توفُّر مستلزمات الانتخابات المالية والمزايدة بميغاسنتر يرفضه «حزب الله»، حليف العهد، والتوتير السياسي والتساؤل عن جدوى انتخابات لن تبدِّل في ميزان القوى النيابي.

لم ينجح العهد وحليفه الحزب في ترحيل الانتخابات بسبب إصرار المجتمع الدولي على ضرورة إتمامها في موعدها الدستوري من جهة، والخشية من إنتفاضة شعبية ضد السلطة في حال إرجاء الانتخابات من جهة ثانية، فوضع هذا الثنائي كل جهده للحدّ من الخسائر واضعًا إمكانات الحزب بتصرُّف العهد من أجل أن يعوِّض له من خلال رافعته الشيعية ما يمكن أن يخسره مسيحيًا، وهذا ما يفسِّر تبدية الحزب لمرشحي العهد على سائر حلفائه، لأن ورقة التمثيل المسيحي تشكل مصلحة استراتيجية مثلثة لـ»حزب الله»:

المصلحة الأولى تكمن في رئاسة جمهورية حليفة استراتيجيًا للحزب، فرئيس الجمهورية هو رئيس الدولة والناطق باسمها وواجهتها الوطنية، فضلاً عن كونه شريكاً في السلطة التنفيذية، فيكون الحزب عن طريقه شريكاً في هذه السلطة، وتذكيرًا بأن الرئيس عون لم يوجِّه أي دعوة لحوار حول استراتيجية دفاعية ولو أن نتيجتها معروفة سلفاً على غرار الحوارات السابقة التي انتهت كما بدأت، وهذا دليل قناعة لدى عون بأن هذه مهمة «حزب الله» ولا حاجة إلى نقاش ولا إلى توزيع أدوار تبريرًا لدوره.

المصلحة الثانية تتمثّل في وجود تكتل نيابي يمنحه ورقة الثلث المعطِّل في الحكومات والبرلمان كحد أدنى، فلا يكون مضطرًا لاستخدام ورقة الفيتو الشيعي، وقد نجح في انتخابات العام 2018 في الحصول على أكثرية نيابية واستطرادا وزارية بسبب هذا التحالف.

المصلحة الثالثة  مردّها إلى حاجته إلى غطاء طائفة أخرى لمشروعه من أجل تغطية هذا المشروع الرامي إلى تغيير هوية لبنان وتعدديته، وإرساء أمر واقع يقود مع الوقت إلى تثبيت ركائز نظام الشيعية السياسية، وهذا المشروع كان بدأه النظام السوري مع الرئيس إميل لحود، واستكمله الحزب مع العماد ميشال عون، ولكن نتيجة الانتخابات أظهرت أن مشروع «حزب الله» مرفوض مسيحيًا وسنيًا ودرزيًا.

ومعلومة الوقائع التي تؤكِّد الصفقة التي على أساسها رتّب عون عودته إلى لبنان وفي أحد بنودها أن يكون في موقع صدامي مع قوى 14 آذار، وهذا ما يفسِّر الشروط المرتفعة السقوف التي وضعها عشية انتخابات العام 2005 لفك التحالف مع البيئة السيادية، واستغلاله لحالة الإستياء المسيحية من جراء إستمرار ميزان القوى نفسه بعد الخروج العسكري السوري من لبنان، وصولاً إلى تحالف مار مخايل في 6 شباط 2006.

وما تقدّم لا يعني تبرير سوء تعامل بعض مكوّنات 14 آذار مع الواقع المسيحي الذي استغلّه عون بشكل مدروس لتحقيق «تسونامي» مسيحي حليف لمحور الممانعة، إلا أن أحد أهداف النظام السوري كان الإنتقام من خروجه من لبنان بضرب البيئة السيادية في صلب هيكلها الأساسي، وهو مسيحي، كما الإنتقام من المسيحيين الذين وقفوا بأكثريتهم الساحقة ضدّ احتلاله للبنان، فيكون هذا النظام نجح من خلال الفريق نفسه في تسجيل ثلاثة أهداف استراتيجية: إسقاط المنطقة الحرة، ضرب وحدة الموقف السيادي اللبناني المتمثِّل بإجماع الطوائف المسيحية والسنيّة والدرزية، وشق الصف المسيحي وشرذمته وإضعافه.

وعلى رغم وحدة هدف محور الممانعة بإبقاء لبنان ساحة من ساحاته، إلا أن الإختلاف هو في التكتيك لا الهدف، حيث أن النظام السوري واجه كل الصفّ السيادي المسيحي، والخاسر في هذه المواجهة في نهاية المطاف كان النظام السوري، فيما «النظام الإلهي» قرّر شق هذا الصف بالرهان على أطماع عون السلطوية إعتقادا منه أنه بهذه الطريقة يعطِّل الدور المسيحي السيادي، ويضع حليفه المسيحي في مواجهة أخصامه المسيحيين، فلا يضطر إلى مواجهتهم مباشرة، وينقل المواجهة إلى داخل البيئة المسيحية.

وفي الوقائع أيضًا أن الخسارة السياسية الفعلية للمسيحيين والكبرى كانت مع عون في حربيه التحريرية والإلغائية، حيث خاض في الأولى حربًا عشوائية قادت إلى تسوية بأقل كلفة ممكنة وهو يتحمّل مسؤوليتها، واستكمل في حربه الثانية ما بدأه في الأولى بضرب ميزان القوى الضامن لتنفيذ التسوية، وبالتالي بسبب هذه الحرب وتلك حكم النظام السوري لبنان.

والطمع الرئاسي نفسه الذي قاده إلى شنّ حربين مدمرتين دمرّت ركائز قوة المسيحيين، دفعه بعد عودته من الخارج إلى التحالف مع «حزب الله»، فأبقى الجمهورية مصادرة من محور الممانعة مع اختلاف فروعها. والهدف من سرد هذه الوقائع التدليل على جانبين أساسيين: الدور الكارثي لهذا الفريق في ضرب الخط المسيحي السيادي الذي كان أسقط الدولة البديلة، ووقف سدًا منيعًا أمام سورنة لبنان، إلى أن جاء عون فدخل لبنان في عصر السورنة ومن ثم الممانعة. والجانب الآخر يتعلّق بـ»القوات اللبنانية» التي شكلت خط الدفاع السيادي الأول عن لبنان في مواجهة الدولة البديلة والنظام السوري وأخيرًا الإيراني، وإزاحة «القوات» تعني إزاحة الحاجز الأخير المتبقي أمام «حزب الله»، وهذا لا يعني الإنتقاص من الأحزاب والتيارات والشخصيات السيادية التي لدورها كل الإحترام، ولكن حجم «القوات» النيابي والشعبي والسياسي والتنظيمي والعقائدي يجعل من إزاحتها مدخلاً لسيطرة الحزب على كل لبنان على غرار ما فعله النظام السوري في منتصف تسعينات القرن الماضي.

ويتجاهل البعض في لبنان عمدًا أم جهلاً أن التمثيل السياسي مركّب من طبقتين: الأولى طائفية والثانية وطنية، وأن اختزال جهة سياسية للتمثيل داخل بيئتها ينعكس على ميزان القوى الوطني، وهذا ما يفسِّر تمسُّك «حزب الله» بتحالفه مع «التيار الوطني الحر»، فيما إضعاف التيار يشكل إضعافاً للحزب، وإذا كان متعذرًا، اليوم، إضعاف الحزب شيعيًا، فمن الأولى إضعافه في الطوائف الأخرى، وهنا بالذات تكمن أهمية دور «القوات» في مواجهة التيار، وأكثر ما أزعج الأخير ومن خلفه الحزب يتمثّل في ثلاث حقائق أظهرتها الانتخابات النيابية:

الحقيقة الأولى أن «القوات» في حالة صعود متواصلة شعبيًا ونيابيًا، فيما التيار في حالة تراجع متواصلة شعبيًا ونيابيًا، وهذا يعني أن «القوات» قوة صاعدة والتيار قوة متراجعة، كما يعني أن ثقة الناس بـ»القوات» ثابتة ومتحرِّكة صعودا، فيما ثقة الناس بالتيار مزعزعة ومتحرِّكة هبوطاً.

الحقيقة الثانية أن الصوت التفضيلي فضح التيار وأكد تفوُّق «القوات» بعشرات آلاف الأصوات، والمعيار التمثيلي في القانون الانتخابي الحالي هو مزدوج ويتعلّق بحجم التصويت من جهة، وعدد النواب من جهة أخرى، وبالتالي الكتلة الشعبية المسيحية التي اقترعت لـ»القوات» تؤكد أن خطها السياسي أصبح يشكل مطلبًا شعبيًا مسيحيًا من دون منازع مقارنة مع الفريق الآخر.

الحقيقة الثالثة أن حجم تكتل «الجمهورية القوية» هو 19 بأصوات مسيحية صافية، فيما حجم تكتل «لبنان القوي» هو 17 ببلوك شيعي وازن.

وما تقدّم يقود إلى أربع خلاصات أساسية:

الخلاصة الأولى أن «القوات اللبنانية» أصبحت الممثِّل الأول للمسيحيين بعدد المقترعين لخطها السياسي، وهذا هو الأساس وجوهر التمثيل، لأن عدد النواب يرتبط غالبًا بالتحالفات، وعندما يكون الفارق أكثر من 80 ألف مقترع لمصلحتها فيعني خسارة التيار لموقعه الأول وبفارق كبير جدًا.

الخلاصة الثانية أن رئاسة الجمهورية هي من حقّ «القوات اللبنانية» أو من تسمّيه لهذا الموقع، وأي مرشّح تدعمه «القوات» يتحوّل تلقائيًا إلى ممثِّل للمسيحيين، ومن يدعمه التيار مباشرة أم مداورة لا يمثِّل المسيحيين.

الخلاصة الثالثة أن الخط المسيحي اللبناني لـ»القوات اللبنانية» تفوّق على خط «التيار الوطني الحر» السياسي، الأمر الذي يشكل تصحيحًا للإنقلاب على الخط المسيحي التاريخي المساهم في قيام الجمهورية والدستور والميثاق والدولة والحياد وعلاقات لبنان العربية والغربية.

الخلاصة الرابعة أن «القوات اللبنانية» رفعت الغطاء المسيحي الشعبي عن «حزب الله» في تطور هو الأول من نوعه منذ خروج الجيش السوري من لبنان، وهذا يعني ثلاثة أمور أساسية:

الأمر الأول أن «القوات» انتزعت التمثيل «المسيحي من «التيار الحر» ونزعت الغطاء المسيحي عن «حزب الله».

الأمر الثاني أن نتيجة الانتخابات النيابية التي حصدتها «القوات» أسقطت ذريعة «التيار الحر» بأحقيته في رئاسة الجمهورية، ما يعني أنها قطعت واقعيًا وشعبيًا الطريق أمام رئاسة أولى تشكل غطاءً للحزب.

الأمر الثالث أن تصحيح «القوات» لانقلاب التيار على الخط المسيحي التاريخي يمهِّد لتصحيح إنقلاب «حزب الله» على الدستور واتفاق الطائف منذ العام 1990.

وفي كل هذا المشهد يأتي من يتكلّم عن الصلاحيات، فيما الصلاحية الأساسية لرئيس الجمهورية تخلّى عنها لـ»حزب الله»، فلا صلاحية تتقدّم على احتكار الدولة وحدها للسلاح من دون شريك لا من قريب ولا من بعيد، ومن يغطّي الحزب الذي يصادر الصلاحية الأولى للجمهورية ورئيس الجمهورية لا يحقّ له الكلام عن صلاحيات في إطار المزايدات المكشوفة التي كشفها الناس في انتفاضة 17 تشرين وانتخابات 15 أيار، ويبقى أن يُصار إلى انتخاب رئيس للجمهورية يعيد للدولة دورها ولا يتأثّر بسلاح الأمر الواقع، ويضع حدًا فاصلاً بين ما هو غير شرعي يبقى خارج المؤسسات، وما هو شرعي يتولى إدارة البلاد.

 

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version