اكتسب ما أعلنه مسؤول في البيت الأبيض عن وساطة المنسّق الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين أهمّيته من حيث صدور الموقف عن البيت الأبيض تحديداً وتوقيته كذلك على قاعدة الاعتقاد بأنه قد يرمي الى الالتفاف على إجهاض المفاوضات في ظل انتخابات في كل من لبنان وإسرائيل بما قد يصعّب إنجاز اتفاق بهذه الأهمية. ولقي هذا الموقف ترحيباً ملحوظاً لدى جهات رسمية مسؤولة اعتبرته ضمانة بأن الأمور على الطريق الصحيح. وذلك على رغم اعتبار أنه قد يندرج على قاعدة الالتفاف وفق ما يذهب البعض على أي محاولات تصعيد بناءً على تهديدات رُفعت في خلالها السقوف الى درجة كبيرة وتحتاج الى مخرج ما في وقت يضيق هامشه بالنسبة الى ما رسمته هذه التهديدات ولئلا توضع موضع التنفيذ تجنّباً للافتقار الى الصدقية إزاء من أطلقها. هذا ما يعتقده مسؤولون قرأوا إعلان المسؤول في البيت الابيض لجهة أن الاهتمام الأميركي مستمر وهو على أعلى المستويات ومن بين أولويات الرئيس جو بايدن كما جاء صراحة في مضمون الموقف الأميركي. ومن شأن هذا الموقف أن ينزع ذرائع يمكن اللجوء إليها ويفقد التبريرات التي قدّمت سابقاً للتهديدات التي رفعت أيّ منطق على قاعدة أن الوساطة مستمرة ولم تتوقف وأن العمل متواصل لتضييق الفجوات وأن الحل ممكن. قال المسؤول في البيت الابيض إنه “على رغم أن المنسّق الرئاسي الخاص آموس هوكشتاين لم يزر لبنان أو إسرائيل في الأسابيع الأخيرة، فإنه يواصل مشاركته القوية لإنهاء مناقشات الحدود البحرية. نواصل تضييق الفجوات بين الطرفين ونعتقد أن التسوية الدائمة ممكنة. نرحّب بالروح التشاورية لكلا الطرفين للتوصل إلى حلّ”. وأضاف “الديبلوماسية المكوكية هي ببساطة أحد مكوّنات العمل الدقيق الذي يقوم به الفريق الأميركي لحل هذا النزاع، ويتواصل هوكشتاين يومياً مع المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين، بمن فيهم نائب رئيس البرلمان اللبناني إلياس بو صعب. ويُعتبر حل النزاع حول الحدود البحرية أولوية رئيسية لإدارة بايدن. نعتقد اعتقاداً راسخاً أن أي صفقة لديها القدرة على تعزيز الاستقرار الدائم والازدهار الاقتصادي لكلا البلدين”. وكان بارزاً التأكيد أن المنسق الأميركي على تواصل مع المسؤولين اللبنانيين وكذلك بالنسبة الى التواصل المستمر من السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا، ما يدحض عدم اطلاع أو معرفة هؤلاء بما يجري وتطورات المفاوضات أولاً بأول، بحيث يمكن استغلال ذلك للذهاب الى تصعيد أو مزايدة من أيّ نوع.
التفسير الأساسي محلياً للموقف الأميركي هو طمأنة المسؤولين اللبنانيين الذين لا يخفون قلقهم، كل من موقعه وحتى وفق حساباته، من التأخير في هذا الملف ولا سيما في ضوء احتمال تغيّر المشهد السياسي الاسرائيلي بعد الانتخابات المقبلة مطلع تشرين الثاني المقبل. فمع أن تفاؤلاً كبيراً طغى على هؤلاء المسؤولين بعد الزيارتين الاخيرتين اللتين قام بهما هوكشتاين للبنان، فإن هناك هامشاً ضبابياً يخشون في ظله الا يحصل لبنان على ما يريده ويعتبره حقوقاً له أي كل حقل قانا والخط الذي جرى التفاوض حوله، وهذا ما سيشكّل نكسة متعدّدة الأوجه. يطمئن بايدن ولا سيما من خلال المعلومات عن اتصال جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لابيد والرئيس الأميركي أكد فيه الأخير ضرورة إنهاء المفاوضات بين إسرائيل ولبنان حول الحدود البحرية في الأسابيع المقبلة الى أن التسوية ممكنة والعمل جارٍ عليها فيما الوسيط الأميركي يحتاج الى بعض الوقت الاضافي لتذليل بعض العقد. فواشنطن تدرك جيداً مدى خضوع موضوع الترسيم لمزايدات سياسية في لبنان كما في إسرائيل حيث التنافس الانتخابي على أشدّه، ما يفسّر موقفاً من البيت الابيض بالذات التفافاً على المزيد من التصريحات السلبية على هذا الصعيد وتأكيداً بأن الأمور آيلة الى تسوية حتمية. فقبل أيام رمى رئيس الجمهورية ميشال عون كرة منع حصول تقدّم في المفاوضات البحرية في ملعب كل من رئيسي مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي باتهامهما ضمناً بمنع حصول الترسيم في عهده.
وبالنسبة الى بعض المراقبين فإن المشهد الذي قدّمه وزراء يرمون الحجارة عبر الحدود اللبنانية في اتجاه إسرائيل كان أمراً معبّراً عن قمّة المزايدة فيما لم يأخذ هؤلاء الوزراء في الاعتبار وعلى الأرجح لم يكونوا على علم بأن أداءهم المسرحي تزامن مع مفاوضات شاقة في مجلس الأمن الدولي من أجل التمديد للقوة الدولية العاملة في الجنوب، فيما هم يستخدمون منطقة عمليات هذه القوة للقيام بهذا الأداء المزايد والمحرج لكل من القوة الدولية وللبنان واللبنانيين فيما الأجدى بهم ملء الفراغ الكارثي في أدائهم الوزاري.
هذا لا يعفي في المقابل التفسيرات الأخرى التي تصبّ في خانة أن التصعيد التهديدي من جانب “حزب الله” يقلق الجانب الأميركي فيعمد الى تجنّبه، ما قد يراه أصحاب هذه التفسيرات أمراً إيجابياً بالنسبة الى الحزب مبنياً على فكرة أخذ #الولايات المتحدة الأميركية تهديداته على محمل الجدّ. وهذا تفسير محتمل، علماً بأنه إن كان ثمة مخاوف وقلق فإنما من تصعيد متبادل يدخل المنطقة في أتون حرب ولا سيما مع التهديدات التي تطلقها إسرائيل بدورها رداً على أي تهديد لاستخراجها الغاز من حقل كاريش بينما لا لبنان ولا المنطقة ولا العالم حتى في وارد احتمال أي تصعيد من أي نوع كان على رغم كل التهديدات التي تطلق من هنا أو هناك. ويخطئ من يعتقد أن الأمور تبقى في إطار خوض مخاطرة محسوبة لأن الحرب قد يُعرف متى تبدأ ولكن يصعب التكهّن متى تنتهي وكيف.