




كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1732
تنفلش مواسم السهل فوق سطوح أيلول. ع البركة يا بلادنا المليانة خيرات. تنفلش العيون دمع أيلول الممتلئ حنينا، ع البركة يا تراب الأرض المليانة شهداء. أغرزوا المعاول في تراب لبنان سيطلع لنا شهداء على عدد حبّات التراب. أغرزوا المعاول في تراب لبنان سيطلع لنا مواسم بركة على عدد ضياء الكرامة. هذه حكاية أرض وتراب وعنفوان ودماء ودموع وعنفوان، هذه حكاية شهداء لأجل كل ذاك العبق الإلهي المغمّس بجبال لبنان وسهوله ووديانه وناسه ومناضليه.
ماتوا؟ عيب عليكن. لا تقتلوهم في اليوم ألف مرة، إستشهدوا لنبقى. إستشهدوا وما ماتوا بعد ولا نريدهم أن يفعلوا، ولن نسمح لأحد بأن يقتلهم بعد! هؤلاء نحن، أهلنا أولادنا أجيالنا أبطالنا مقاومتنا، أبطالنا، أبطالنا يا الله يا عالم يا وطن الجحود والنكران والعصيان على الكرامة، هؤلاء عمرنا اللي راح ويللي جايي، هؤلاء من صنعوا للتاريخ حكاية الشرف، وللحاضر حكاية الصمود، وللمستقبل حكاية نرويها في ليالي البرد للأجيال المتعاقبة، فيسري في عروقهم دفء العنفوان والزهو، ويرفعون رؤوسهم عاليًا لـ فوق لـ فوق لمطرح اللي بتشرق آلاف الشموس، حين تغيب عن آخرين مغمّسة رؤوسهم بعار الذل والإنبطاح والعمالة، هؤلاء هم أبطالنا الذين صنعوا مجد وتاريخ لبنان المجيد.
أيلول يا أيلول أنت أناني متعجرف شايف حالك بخيالك، ومعك حق بأن تتباهى وأنا أحسدك كمان، فخيالاتك كلها شهداء يتراقصون على حفافي الحنين لوطن جعلهم ذكرى، بينما ثمة مناضلون مصرّون على جعلهم أحياء، ندور في فلكهم ويدورون من حولنا أطياف حب، حراس سماء لا ينعسون، وأيلول يطوف بهم، يعزمهم على وليمة الولائم المبللة دمعًا مالحًا عطرًا، نشرب معهم كأسًا طيبًا من نبيذ المسيح، وخبزًا مغمّسًا بجسده المقدس.
كأس من نشرب أولا يا شباب؟ بلكي كأس بشير. يا عمري عليك يا شب الحلو، يا فخامة المقاوم الشرس، يا فخامة الكلمة والموقف، يا فخامة المخرز في عين الإحتلال السوري وعملائه، يا فخامة الشباب الذي صنع للمقاومة اللبنانية مجد المواجهة والشجاعة والصوت الصارخ المدوي في عراء العملاء الأنذال، الذين غرزوا في جسده عبوات الموت ليصبح هو الأسطورة المشعّة وهم العار الأسود الأبدي السرمدي في تاريخ لبنان.
يا عالم كأس مَن ومَن ومَن سنشرب بعدما أفرغوا أعمارهم كؤوس دماء، فوق شفاه ذاك الوطن المتعب المستحيل الحلو الصعب البشع أحياناً، ولكنه موطننا قلبنا حياتنا عمرنا شهداؤنا؟!
أتى أيلول، حمل الآباء والأمهات صور فلذاتهم وذهبوا بخشوع العنفوان الى قداس الشهداء. طيّب ألم يتعبوا على مدار السنين من تكرار المشهد إياه؟ بعض الأهالي سكنوا الصور والتحقوا بأبنائهم، لكن ما زالت الصور تصطف عسكر كرامة وخشوع أمام مذبح الرب في قداس الشهداء! طيّب ألم يتعبوا من الحنين؟ «يا عمري… تقبرني يمّي بس إطلع ع قداس الشهدا بحسو قاعد بيناتنا مع رفقاتو، بحس بالفخر أنا إم شهيد، ولولاهن كانوا لحّقونا بسوريا وكانوا بلعونا. بس إجي ع قداس الشهدا كأني جايي طل ع إبني» تقول أم شهيد. يا إلهي أي قلب هذا، أي أم أنت يا امرأة تتشبّهين بالعذراء مريم لتنالي بركة السماء والأرض؟
طيّب ألم تتعب «القوات اللبنانية» نفسها، من تكرار إستذكارهم على مدار السنين؟ لماذا الإصرار على إحياء قداس الشهداء عامًا بعد عام بعد عام…. أما زال الشهداء أحياء في مفكرة «القوات»؟ ألم يقتلهم الإحتلال والفساد والعمالة والعهد المدمّر العابر في ذكراهم وأجسادهم وبنا وبمناضلينا وبالشعب اللبناني كله؟!
«هودي خميرة مقاومتنا، هودي الخابية لـ منشقع فيها نبيذنا حتى نشربو مع دم المسيح، وبلاهن ما كنا نحنا ولا كان بقي لبنان، هودي كرامتنا وحراسنا والوفاء إلهن صلا بحد ذاتها، ونكرانهن كأن عم ننكر ربنا ووطننا وإنسانيتنا» يقول أحد الرفاق. أيلول الشهداء أيلول المواسم في مفكرة «القوات اللبنانية». أيلول الشهداء محطة الوفاء المشعّ من حضورهم في وجدان المقاومة اللبنانية. أيلول الشهداء هو الربيع والشتاء والصيف والخريف القاطع كالسيف وقت الخطر، وكالنسمة الرقيقة وقت السلم، وفي الحالين هم نحن ونحن هم، وكل موقف مشرّف تتخذه واتخذته «القوات اللبنانية» على مدار مقاومتها، هو نابع من روحية دم الشهداء ونبل استشهادهم، ووفاء للدماء الحارة التي انسكبت في كؤوس التراب لتنبت حرية وكرامة، وهكذا سيبقون للأبد في حاضر المقاومة ووجدانها. شو يا شباب عجبكن هالحكي؟… ليش الصمت؟!…
لا يحكي شهيد صار خلف ضيائه، بل يومئ لنا بالأفكار، شهداؤنا أحياء فينا، هذا فعلاً لا قولاً، شهداؤنا انضمت إليهم قوافل وقوافل مضرّجة بأشلائها، وبعمالة حوّلت أجسادهم الى أشلاء التراب، وآخرهم شهداء تفجير المرفأ الإرهابي. لا تقبل «القوات اللبنانية» أن تعبر المناسبة من دون ذكر هؤلاء الضحايا، وقود الإرهاب والإحتلال في لبنان. كلنا صرنا ضحايا، أحياء وأموات… لأ، ما تقولي أموات، «شهداؤنا لا يموتون مرتين ولن نسمح لأحد بأن يقتلهم مرتين» قالها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، لذلك توّجت «القوات» عبق أيلول لنكون ضيوفهم أمام مذبح الرب…
أيلول يا أيلول المتهالك فوق سطوح البركة وخوابي المواسم وأطياف الشهداء. أيلول «يا عيون الأحبّا نطريني يا صورهن لا تبكيني» بل ارسمي على وجوهنا تلك البسمة الدامعة على فخر الإعتزاز والكرامة. لم يمت شهداؤنا، ولن يموتوا يومًا، نقسم بذلك أمام الرب والأرض ودمع الأهالي، وحكاية الوفاء المغمّسة بنضالنا الحلو المر الصامد. لن يموت شهداؤنا لأنهم فينا أحياء حاضرون للأبد. لن يموت شهداء المرفأ لأن العدالة لأجلهم لن تموت طالما صورهم مرفوعة على صراخ هامات النضال لأجلهم.
أيلول يا أيلول رائحتك عبق مزيج من ياسمينة الدار وزعتر السطوح وغفلة المطرة الأولى، وتلك الحكاية، حكاية دافئة دافئة عن وطن صغير صغير كبير كبير بالمقاومة، عرف كيف يغزل من خيوط الشمس ألف ألف شموس، وكل منها يروي قصته الحنونة عن شهيد لنا في المقاومة اللبنانية… لا تبكيني أيلول بل اجعلني في ضحكة المجد تلك حين تعبر فينا الصلاة لأجل الشهداء.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
