بري لم يطلق مبادرة وكلمة السرّ عند “الحزب”

كثيرون انتظروا كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري، في الذكرى الـ44 لتغييب الإمام موسى الصدر، لتبيان ما يمكن أن يرشح منها من إشارات قد تضيئ على مسار الملفات المطروحة ومعالم المرحلة المقبلة، خصوصاً حكومياً ورئاسياً. لكن كلمة بري في المناسبة، التي تزامنت مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لم تختلف كثيراً عن المواقف المعروفة لرئيس البرلمان من مختلف القضايا، وخلت من طرح مبادرة واضحة، على ما جرى عليه بري في مناسبات سابقة كثيرة.

المحلل السياسي علي الأمين، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “بري لم يقل ولم يكشف الكثير”، معتبراً أنه “يفقد قدرة التأثير في المسارات السياسية الأساسية. فعلى سبيل المثال، كان الكل يتوقع أن يتحدث عن الملف الحكومي أو أن يقول شيئاً مهماً، لكن إذا نظرنا بعمق واستعرضنا ما قاله، لا نرى كلاماً يوحي بمبادرة ما، أو كلاماً يصدر عن طرف ممسك بأوراق اللعبة”.

وللمزيد من الوضوح، يضيف الأمين، “هذا يثبت أن الأوراق عند حزب الله لا عند بري. والأمر تبيَّن أساساً منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، إذ كان واضحاً أن بري في مكان والحزب في مكان آخر. لكن بري انضوى ضمن القرار الاستراتيجي لحزب الله، على الرغم من كل مواقفه الرافضة لعون، والتي كانت واستمرت خلال السلطة طوال فترة عهده، وعبَّر عنها في خطابه الأخير”.

وللتذكير، يشير إلى أن “بري كان أول من يطلّ باسم رئيس الجمهورية، في زمن الوصاية السورية، وكانت كلمة السرّ عنده. بينما اليوم، ليس له نفس الدور وذات التأثير الذي كان عليه”.

وللأمين مقاربته للاستحقاقات المقبلة، وبرأيه أن “هذا الفريق لا يريد رئيساً صافياً من 8 آذار، ليس حرصاً على مصلحة البلد أو ما شابه، بل لأنه لم يعد ينفع مجيء رئيس بهوية واضحة تابعة لـ8 آذار، على طريقة ميشال عون أو سليمان فرنجية أو جبران باسيل، ولأن هذا الرئيس لن يحلّ لهم المشاكل التي يواجهونها”.

ومن منطلقات واقعية، يلفت الأمين إلى أن “حزب الله، في السنوات الست الماضية، أحكم قبضته على الجمهورية ومفاصل الدولة والسلطة بشكل كبير. واليوم، هو يريد رئيساً قادراً على مخاطبة الغرب عموماً، من الولايات المتحدة إلى أوروبا وغيرها، وقادراً على مخاطبة العرب بدءاً من السعودية. فما حاجة الحزب اليوم لرئيس يحمله على ظهره؟ هو يريد رئيساً يحمل الحزب لا العكس”.

وعن التقاطع بين ما قاله بري حول مواصفات رئيس الجمهورية، وبين ما أعلنه رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله هاشم صفي الدين عن أنه غير مستعجل على حسم موقفه الرئاسي ومنفتح على خيارات رئاسية تسووية، يعرب الأمين عن اعتقاده، بأن “حزب الله يريد رئيساً، هو في ظاهره نتيجة تسوية، لكن في المضمون يستند إلى تفاهمات ضمنية مع الحزب، أي أنه يفضِّل رئيساً مستقلاً وتسووياً في الظاهر والشكل، وفي المضمون لا، بل موقِّعاً على أوراق والتزامات”.

وبرأيه، أن “حزب الله غير مستعجل في المرحلة الحالية، لأنه ينتظر أحداً من الخارج من أجل أن يتحدث معه في الموضوع الرئاسي، من الأميركيين أو الفرنسيين أو السعوديين، كي يبدأ بالمساومة معهم. بالتالي السؤال الجوهري اليوم الذي يعني اللبنانيين بشكل أساسي، وحتى الدول الخارجية، يتعلّق بمعالم أساسية مطروحة”.

ويضيف، “هناك قمة الكويت الأخيرة والورقة الكويتية التي أرسلت إلى لبنان والتي تتضمَّن خارطة طريق للخروج من الأزمة، وهناك أيضاً مطالب المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي المتعلقة بإنجاز الإصلاحات لمساعدة لبنان. بمعنى أنه لم يعد مهماً من يأتي رئيساً، بالمعنى الجوهري، فالمهم أي جمهورية سيحكمها هذا الرئيس، خصوصاً أن رئيس الجمهورية لا يقرِّر وحده مسار الجمهورية”.

بالتالي، “أسئلة العالم والعرب، هي، كيف تريدون أن يسير هذا البلد؟ هل تريدون إنجاز الإصلاحات والتغيير والمحاسبة والشفافية في الحكم أم لا؟ فكل الرسائل الدولية تقول، ابدأوا من أجل أن نساعدكم”، لافتاً إلى أن “فريق السلطة لا يريد الإصلاح، ويحاول استدراج عروض حول رئاسة الجمهورية، ودعوة المجتمع الدولي والعرب للتحدث معه في سبيل المساومة على ما يطلبونه من لبنان”.

لكن وفق الأمين، “ما نلاحظه عدم اهتمام على هذا الصعيد، إذ لا نرى موقفاً اليوم، لا عربياً ولا أميركياً ولا فرنسياً، أو مندوبين دوليين أو من الجامعة العربية يقومون بجولات في لبنان لاستطلاع الأجواء، أو حركة اتصالات دبلوماسية حول أسماء معينة”، معتبراً أن “حزب الله وبري، بما يطرحانه من مواصفات للرئيس الذي يريدانه، لا يخاطبان اللبناني الآخر بل يفتحان باباً للكلام مع الخارج، من خلال القول نحن مستعدون لرئيس تسووي، فتعالوا وابحثوا معنا لنرى كيف يمكن أن نتفاهم”.

ويلفت، إلى أن “المرحلة بالنسبة لهذا الفريق تتطلب اليوم عكس ما اقتضته مرحلة إيصال عون، حين كان المطلوب رئيساً يسمح له بالقبض على مفاصل الدولة واختراق المؤسسات والسيطرة عليها، وهذا الأمر تمّ إنجازه. في حين ما يريدونه اليوم، رئيساً مختلفاً يمكنه مخاطبة العالم للحصول على المساعدات كي لا ينفجر البلد بين أيديهم ويتمكنوا من الاستمرار في السلطة. أي أنهم يريدون بيع مسألة الرئاسة لأحد في الخارج، لكن بيعٌ في الشكل لا في المضمون”.

ويؤكد الأمين، أن “موقف حزب الله، وهذا الفريق عامةً، يعبّر عن مأزق لا عن قدرة، لأن الأزمات المطروحة اليوم لا تحلّها السيطرة الأمنية والعسكرية على البلد والتحكم برؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان. فنحن أمام إشكاليات جديدة لها علاقة بالاقتصاد والسياسات المالية والأزمات المعيشية والاستثمار ونهضة الدولة عموماً”.

ويرى، أن “هذه أسئلة صعبة على حزب الله، (مش شغلتو)، ولا يستطيع الاعتراف بسهولة أن هذه (شغلة) الآخرين الذين يستطيعون إيجاد الحلول لها. بالتالي هو مربك، ويلجأ دائماً للتحصُّن بالبعد الأمني والعسكري وشعارات المقاومة ومواجهة إسرائيل وما شابه، وكلها للهروب من الأسئلة الحقيقية المتعلقة بكيفية إيجاد الحلول للأزمات الفعلية والانهيار الحاصل. بالتالي حزب الله في مأزق ويضع البلد كله في المأزق نتيجة حالة الإرباك التي يعيشها”.

ويشدد الأمين، على أن “ما يطلبه اللبنانيون اليوم هو رئيس مختلف عن السنوات الماضية، انطلاقاً من ضرورة وجود قرار استراتيجي بإحداث عملية إصلاح وتغيير حقيقي لإنقاذ البلد. ورئيس يشكل عنواناً لمشروع إنقاذي واضح، لا رئيساً بلا طعم ولا لون ولا رائحة. ونحن لا نلمس أن القوى الحاكمة وصلت إلى قناعة بوجوب انتخاب رئيس ضمن هذا السياق، يدير عملية التغيير المطلوب للخروج من الأزمة”.

ويعتبر، أن “القوى المعارضة يمكن أن يكون لها دور أساسي في تقرير الأمور، من خلال توحّدها بدايةً حول مشروع رئاسي متكامل بعناوين واضحة تجاه المطلوب للإنقاذ. أي رئيس يحمل مشروعاً متفاهماً عليه، والخطة المطلوبة للإنقاذ، وخارطة الطريق الواضحة للخروج من الأزمة، وبعدها تأتي مرحلة البحث عن اسم يحمل المواصفات المطلوبة، الشخصية والسياسية والإصلاحية، لإدارة مشروع الإنقاذ”.

وبرأيه، أن “الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، إذا بُذل جهد حقيقي والخروج من بعض الأنانيات على هذا الصعيد، والاتفاق على المشروع المطلوب لتحقيق خطوة إلى الأمام لبناء الدولة، والمبادرة الجدية وطرح هذا المشروع بشكل واضح وعدم انتظار الفريق الآخر. فليبادروا إلى طرح مشروعهم الرئاسي، والاتفاق على اسم الرئيس يأتي لاحقاً”، لافتاً إلى أن “لا شيء مستحيلاً، والأمور ليست مقفلة ويمكن أن تأتي ظروف مساعدة في هذا الإطار”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل