لولاكم لجعلوا لبنان وقف الشيطان

عندما احتاج الوطن الى العنفوان، خاطبكم من خلاله، ليبقى مداه، بكم، أطول من الأرض، وأعرض من السّماء، ويكون فرحه كاملا. وأنتم، وحدكم، في اتّحادكم مع الوطن، استطعتم إشباع رغبته في الاستمرار واقفا، مالكا الكرامة، مطهرا من الخوف، متنعّما بالحريّة، واثقا بأنّه غير مسلوب البقاء، مهما اشتدت غرائز البربريّات.

إنّ الكلّ يرى، وبوضوح، العلاقة الصراعيّة بين الإيمان والإلحاد، وإذا خفتت نبرتها في حقب معينة، فهذا لا يعني، أبدا، أنّهما سيصبحان، يوما ما، في تآلف، وأنّ التّناقض بينهما سيزول. وتنسحب هذه المعادلة، حكما، على العلاقة بين الوطنيّة والخيانة، أو بين الدّفاع عن الهويّة اللبنانيّة الرّاسخة، كما فعلتم يا أبطال التفوّق على الموت، وبين استنساخ يعرّضها لخطر الإضمحلال. واستنادا، يطرح السؤال: هل يشقّ الوطن طريقه نحو العصرنة، والتقدّم، والمستقبل النيّر، في ظلّ مسار ينتمي الى عصر الخيانة، والإنتدابات، والقرصنة، والغدر، وكساد الإنتماء، وغريزة القمع بالقتل، وتلويث صورة الحريّة بشر دخيل ؟؟؟

إذا سلمنا بأنْ لا نسبيّة في الإيمان، فعلينا، إذا، أن نسلّم بأنْ لا نسبيّة في الولاء للكيان، من هنا، فإنّ إغلاق منافذ الإلتزام بالوطن، كان نزعة إلحاديّة أفضت الى إفلاس مطبق في الوطنيّة، مدمكه ذوو التعصّب من الطّارئين، وجرّوا إليه منْ دجّنوهم من البلديّين الجهلة، والمصفّقين لشريعة القوّة، تحت السّتارالكاذب للإصلاح، وتغيير موجود فاسد، لم يكنْ، في الحقيقة، إلّا نهجهم. وهذا يعني، أنّ استلاب الوطن قهرا، له، منتجون مدفوعون، تقاطع مسارهم مع مصلحيّين كانت الوصوليّة الرّخيصة مجالهم الحيويّ، ولو بلغ حسّهم الوطنيّ حد العدميّة.

أيّها الشهداء الأبطال الذين اكتسى الوطن، بكم، يقينه بنفسه،

إنّ تعلّقكم العميق بمنهجيّة الدّفاع عن لبنان، أثبته جهدكم في محطّات جريئة، أسهم في انتصار الحقّ على الأباطيل، وفي منجاة الوطن من حبائل اليأس، والقلق، وفي إنقاذ الشّعب من مأزق مدوّ هو التّهديد بوجوده. وهذا الإنجاز الذي دفعنا حزنا لغيابكم، بلا اكتفاء، انتقل من حالة نستذكرها كلّما واجهنا ضيقا، الى مؤسسة معتقديّة يتداخل جانبها الإيمانيّ المطلق بالله، مع جانبها الإيمانيّ المطلق بالوطن، مصدر وجود، وبعْدا متساميا يؤكّد على قيمة حضورنا الأسمى من المضمون البيولوجيّ.

بشهادتكم، أعلنتم عن إدماج الإنسان في الأرض، بمفهوم الإلتزام الحميم بها، والدعوة الى استقاء ماء حيّ من ينبوعها الفيّاض. بشهادتكم، بشرتم  ب” لوغوس” الرّجاء، وقوامه العنفوان الذي يشكّل المبدأ الكلّي الفعّال لبقاء الوطن، ومنجاته من كلّ مؤامرة إلغاء. إنّ شهادتكم هي مقياس على أنّ الوطن لو لم يفصلْ على طرازكم، لما استمر عرش الله، ولوحة سماويّة الإنتاج. إنّ حقيقتكم، في ماهيّتها الوطنيّة والوجدانيّة، هي أبعاد لا يصل إليها إلّا منْ يشبهونكم في التشبّث بالوطن، وتمجيده بالمحبّة، والإيمان به حقيقة مطلقة، وإضفاء صفة القداسة عليه. وشهادتكم، لعظمتها، غير قابلة لوصفها بكلمات، وكذلك التسامي المرتبط بكم. إعلموا أنّكم الكنز الطيّب الذي لو تكلمنا عنه، فإنّنا نتكلّم عن حقيقة سرّ خلود لبنان، وعن توصّل ضميرنا الى استكشاف طريق مميّز وحيد، يفضي الى التّعاقد مع الخطر ليبقى الوطن، وهذا هو المقصد الحقّ.

يا رفاقنا، يا أركان حقّ الوطن في البقاء سيّدا، لقد عمل اللّاجئون أتباع الشيطان، وأذنابهم الجحيميّون، على تشريح شهادتكم وكأنّها مجال لتوظيفه، بين الحين والحين، للنيل من مصداقيّتها، فهي، من وجهة نظر الأردياء الغادرين بالبلاد، عمل رجس لا قيمة له وطنيّا، وحدث يدفع الى الشكّ بأهدافه، وثمن دفعه عملاء العدوّ، في الدّاخل، على يد مناضلين ” شرفاء ” بدافع تنقية الوطن من انعزاليّة رديّة، وإمبرياليّة خسيسة!!! وكأنّني بهؤلاء اللّاجئين الذين لم يتذوقوا، يوما، خبز الكرامة، لن يعرفوا كيف يتخلّى المؤمن بوطنه عن الولادة، للموت، وبطريقة رائعة، رمزا للخلاص؟؟؟

لستم شهداء بالتبنّي، ولا شهداء صوريّين، أنتم الأقنوم الأساسيّ في عمارة أزليّة الوطن، بحيث يستحيل فصل شهادتكم عن وجوده كيانا حرّا، لامتناهي الدّيمومة، فشهادتكم التي تتجلّى فيها محبّة الأرض غير القابلة للتفكّك والإنحلال، تعطي، وحدها، جوابا على السؤال: “ماذا يعني لنا الوطن؟”، هو ليس ذلك الشّكل الفيزيقيّ الترابي الماهيّة، إنّه المضمون العميق لكون قدسيّ مصغر هو قدرنا، نرفض استبداله أو أن يحل غيره في مكانه، أو أن يجعله الطّارئون وقْف الشيطان.

يا شهداءنا، أنتم المفتاح الحاسم لصورة لبنان النقيّ، فشهادتكم هي كمال الفضائل لأنها ارتكزت على المحبّة والعنفوان، وهما جوهر كيانها. نحن اليوم، كما أنتم، مستعدّون للتضحية متحدين بقضية سامية توجّهتم، لأجلها، نحو الخلود.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل