العهد لكم

اعتدنا أن يكون طرف أيلول بالشتاء مبلولاً، لكن هذه السنة، ككلّ سنة سنرفع الذبيحة الإلهية مع رفاقنا الشهداء، وعن راحة نفوسهم في قلعة معراب غدًا لنقول لهم: “العهد لكم”.

هذه السنة، دموع أمهات الشهداء امتزجت أيضًا مع دماء أمّهات شهداء تفجير مرفأ بيروت. وهذه الدموع لن تجفَّ قبل تحقيق العدالة، لأنّنا لا نريد من أحدٍ أن يقولَ لنا “حقيقةً” لأنّنا نعرف الحقيقة، لكنّنا نريد العدالة، وليس أقلَّ منها بذرّة.

عهدنا لكم أيّها الشهداء، ولكم وحدكم، لأنّكم عندما حملتم بندقيّتكم وتركتم أحبّاءكم لم تنظروا وراءكم، وام تحسبوا حساب عودتكم، بل همّكم كلّه كان كيفيّة الدفاع عن الوطن الذي أحببتموه، وعن القضيّة التي نذرتم أنفسكم لها لتبقى حيّةً إلى أجيالٍ وأجيال.

عهدُنا لكم ولكم وحدكم بألّا نتنازل عن أمانتكم. نحن الذين نذرنا أنفسنا اليوم وكلّ يوم لسبقى مشعلكم مُضاء؛ نجدّد هذا العهد في قدّاسنا المعرابيّ معكم ولكم ليبقى لبنان.

نعاهدكم بأن نكون على قدر المسؤوليّة في استرجاع لبنان بعد أربعين سنة من اختطافه. سامحونا إن قصّرنا يومًا، لكن تقصيرنا كان محاولةً منّا في لقاء الآخر المختلِف الذي قرّرتم أنتم أن تذودوا بأنفسكم دفاعًا عن العيش معه بحرّيّةٍ.

نعاهدكم بألا نألو أي جهدٍ لاسترجاع شريكنا في الكيانية اللبنانية الذي نجح بعض مَن رهن نفسه لمشاريع ثورويّة وأيديولوجيّة باختطافه. سنرجِعَه يومًا إلى حضنِ ذاك اللبنان الذي جمعنا ذاتَ يوم فيه فخامة الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل، من جبل لبنان إلى جبل عامل.

نعاهدكم اليوم بعدم السماح باستمرار اختطاف الوطن. وسنعملُ بكلّ ما أوتينا من قوّة وقوّات لإيصال رئيس إنقاذي يشبه ذاك الطموح الذي حملَكم إلى الاستشهاد في ذلك التاريخ. لن يكون رئيس للجمهوريّة إلا الذي سيحمل مشروع إنقاذ هذا الوطن.

أمّا إن لم ننجح بذلك فتأكّدوا هذه المرّة أنّ اللوم ليس علينا، بل على قصراء النظر الذين فقدوا إيمانهم بلبنان وأنزلوه إلى جهنّم. وبرغم ذلك كلّه مقاومتنا ستستمرّ، ولن نستكين أو نرتاح حتّى الوصول إلى لبنان الغد، لبنان الذي يليق بأحلام أولادنا، والذي سيكون على قدر الطموح الذي دفعكم إلى الشهادة الكيانيّة.

العهدُ لكم وليس لدعاة التسويات الوسطيّة حفاظًا على جنّات الحكم التي غنموها بانبطاحهم وتوقيعهم صكوك التنازل عن الوطن، ولو متستّرين على مذبح رئيس الملائكة. ولا يظنّن أحد أنّنا قد ننسى، لكنّنا نسامِح كلّ مَن غدر بنا، أو نكث بتوقيعه طمعًا بالمراكز. لكن أن ننسى لن ننسى، لأنّه عندها ستكون الخطيئة العظمى بحقّكم يا شهداءنا. نسامح ونغفر سبعين مرّة سبع مرّات، لكن لا ننسى. وللتاريخ ذاكرة لن نسمح بأن تُمحى.

نعاهدِكم يا شهداءنا والعهدُ لكم وحدكم، وبحقّ كلّ قطرة دمٍ نزفت من جروحكم، وبحقّ كلّ لحظة ألمٍ عشتموها قبل انتقالكم إلى أحضان الآب السماوي، وبحقّ كلّ دمعةٍ ذرفتها كلّ أمٍّ أثكلها غدر المنبطحين والذمّيّين والعملاء الذين غدروا بكم، وبحقّ كلّ لحظة ألمٍ لا يزال يعيشها كلّ شهيدٍ حيٍّ حتّى اليوم، يحمل صليبه ويتابع المسيرة ليبقى لبنان، وبحقّ شوق كلّ شاب أو صبيّة فقد حنان أبيه المقاوِم أو أمّه المقاوِمَة ذات يوم، نعاهدكم يا شهداءنا لأنّكم لو لم تأخذوا ذلك القرار لمَا كنّا اليوم هنا. لكم وحدكم العهد بأن نبقى ونستمرّ في هذا الوطن، مهما قويت ضربات الجلادين، فأرواحنا ليست أغلى من أرواحكم، نحن على خطاكم سائرون متى دقّ الخطر على الأبواب.

والأهم من ذلك كلّه، أنّنا نعاهدكم بأن نعيش الفرح والرجاء والأمل الذي نستمدّه من الإيمان الذي نحتّموه في نفوسنا. طوباكم اليوم، تنعمون بالملكوت السماوي. وعدنا لكم بأنّنا سنعيش ملكوت الربّ هنا في لبنان أرز الربّ وهيكله المقدّس، وكما وقفتم بوجه مَن حاول تدنيس تراب لبنان هكذا نحن اليوم واقفين، ولن نسمح إلا بأن يكون لبنان الغد لبنان الذي بذلتم أنفسكم فداء له.

العهد لكم وسنحافظ عليه ليبقى ويستمرّ لبنان وطن الـ10452 كلم2، ذلك الوطن الذي ارتضى به رئيس حزبنا سمير جعجع بأن يكون حرًّا سجينًا لنبقى نحن أحرارًا. نستمدّ قوّتنا من حضوركم الدائم في وجداننا وكياننا. العهد لكم ليبقى لبنان.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل