ضياءُ شهدائِنا في وقفةِ سمير جعجع

بعدَ أن هَجَّنَ الكثيرونَ مَقامَ شهدائِنا، وأَوّلَ الدُّخلاءُ قضيّةَ وطنِنا، واستباحوا روحَ شعبِهِ ليُرجِعوه من طَورِ النّورِ الى شقاءِ الظّلمة، ويُصبحَ صدًى لجلجلةِ استبدادِهم به، ويقعَ الغدرُ فيهِ نَهباً واختلاساً، أَقسمَ الذين أَلقى الوطنُ عندَهم رَحلَه، وسمير جعجع في أوَّلِهم، على أن يُرجِعوهُ من غربتِهِ، طَبَقاً نفيساً للمؤانسة، ليعودَ سيرةَ الدّنيا، ماضيها وباقيها.

سمير جعجع الواحدُ من لبنان، مع رِفاقٍ قاوموا عُصبةَ البَربَر، وقضى بعضُهم طِبقاً للشهادة، هم حالٌ مُفرَدَةٌ لا يُعرَفُ لها شَبيه، ولا يُمكنُ الإقرارُ بأنّها، فقط، أَثَرٌ صِرفٌ لمرحلة، أَوَلَمْ يكنْ للأوطانِ، على مَرِّ دَهرِها، اتِّصالٌ مع ما تسامى، مثلها، نحوَ الخلود ؟ من هنا، أَطلقَ ” الحكيمُ ” عنواناً لطلَّتِهِ، هو أنّ نشأةَ لبنانَ قديمةٌ سَبَقَتْ شهداءَه، غيرَ أنّ وجودَه الدائميَّ البقاء، لم يُفَهرَسْ في كُتُبِ التَّراجِمِ إلّا معهم. فهم الذين، بعنفوانِهم الرائد، ردّوا الإِثمَ الذي رُمِيَ الوطنُ به، وتمالَحوا مع ترابِهِ فاكتحَلَ بدمِهم، وتحَوَّجَ من أنفاسِهم شعوراً بالعزّةِ، انتظرَه طويلاً، لتتحوَّلَ نُدوبُ دمعِه أَثلامَ عافية.

لقد أرادَ سمير جعجع أن يعودَ وجهُ لبنانَ، مع شهدائِهِ، مُبارَكاً، وأن يَخضَرَّ، معهم، يُبوسُه، لأنه تَطَبَّبَ بهم. فما لوّثَتهُ أزمنةُ القوّةِ المفروضة، أَوجَعَ قلوباً نالَها القَهرُ، والحسرةُ، والإذلال، وسُطِّرَ لها أن تُحكَمَ بالطّغيان، وكأنّها جزءٌ أَعوجُ في ضِلعِ وطنٍ انتُدِبَ غَدراً. لكنّ لبنانَ الذي لم يكنْ في ضميرِ مُخلِصيهِ، يوماً، في إجازة، دفعَ هؤلاءِ الى تَثَويرِ التزامِهم المَنسوجِ بخيطِ القلوب، وهم المُشَرَّبون بأنفاسِ العنفوانِ الذي احتضَنوه من دونِ قِناع، فأَبَوا أن يُبَدَّدَ مصيرُ الوطنِ بمِخلَبِ غُزاة، وبِجَفاءِ بلديّينَ أردياء، وآمنوا بأنّ المَآربَ لا تُدرَكُ بالهَوانِ، وبالإستكانة، أو بالتَلَهُّفِ على مرارة، بل بنضالٍ تُلَحِّنُهُ طُبولُ المَواقع.

لقد آمنَ سمير جعجع أنّه عندما قَلَّ النّضالُ في أَيدي النّاس، أيّاً يَكُنْ لَونُهُ، أَلبَسَتِ الأيامُ لبنانَ كَدَراً، فعجزَ عن نَزعِ ما أُلبِس، ليصيرَ مُحَبَّراً بِريشةِ الوجع. من هنا، ليسَ حَجَرِيّو المَلمَحِ الوطنيِّ هم الذين يضمِّدونَ جرحَ لبنان، بل مَنْ عَلَّقوا مصابيحَ الولاءِ في أَسطُحِ قلوبِهم، فضَجَّ فيها روحٌ مُلتَهِبٌ، وشَقعةُ تَوَثُّبٍ، واندفعوا، بجرأةٍ، حتى لا يتجوَّلَ الوطنُ في كَفَنٍ ينزفُ رماداً. فهؤلاءِ الذين امتهنوا إِعزازَ الوطنيّة، وأرادوا كلَّ فُصولِها ربيعاً، كانوا جرعةَ إنعاشٍ لمبايعةِ قضيّةِ حقّ، لم تَرَ أَصلَبَ منهم شاهِداً، ولا أَصدَقَ تَبِعةً، ولا أَنبلَ نَفْساً.

عندما عانَتِ القضيّةُ مُرَّ الشدّةِ، وقد أَضناها الرِقُّ السياسيُّ، واليأسُ من منظومةٍ بائسةٍ لم تُتقِنْ سوى نَهبِ البلدِ ثمّ رثائِه، دقَّ سمير جعجع بابَ وجدانِ الوطن ليزيلَ عتمةً حَجبَت، وبشكلٍ مَقصود، حقيقةَ أنّ الشهداءَ، وحدَهم، ترجموا إخلاصَهم للأرضِ حتى التّقديس، وحوّطوا هواهم بِهواها، وانطوى لهم، بها، مودّةٌ أَضْرَمُ من عِشق. وكان إيمانُهم بها فِعلاً ثابتاً، وحَنيناً الى تُرابِها الذي أَبَوا أن يتحوَّلَ وَحْلاً، لذا، لم يُرَسِّخوا الأرضَ، كغيرِهم، أَطلالاً في البال، لكنّهم بلغوا، في التزامِهم بقضيّتِها حالةَ الحُلولِ، وأثبَتوا، في حسِّهم الثَّوريِّ، اندفاعَ الأبطال.

لقد أَكَّدَ سمير جعجع على أنّ شهداءَنا رَسَموا للوطنِ، في وجدانِهم، صورةً مبتسِمَةَ الظلّ، ولم تحترِقْ. فالوطنُ، في بالِهم، وفي بالِهِ، يتساقى مع الخلودِ كُؤوسَ المجد، من هنا، لم يسمحوا لحُرّاسِ الجحيمِ أن يُكَمِّموا نشيدَه، وأن يغتالوا ما في أرضِهِ من سُلالةِ الآلهة، وأن يُدَنِّسوا ما على جَبينِهِ من نُقوشِ الكرامة. لقد رصَّعوا حِليةَ المواجهةِ بِيَدٍ صائغةٍ جريئة، وبشجاعةٍ صلبةٍ، فكسروا الأَقفالَ المُسَنَّنةَ التي انتهكتِ الحريّةَ، والسيادةَ، حتى لا يُرمى الوطنُ في عزلةٍ، ويَخلوَ الأمرُ للذين يُخادعونَ الناسَ بِخُبثِ الطَويّةِ، وسوءِ العَهد، ويقدّمون لهم العكاكيزَ ليبقوا عُرجاناً ومُكَرسَحين.

لم يُسَلِّمْ سمير جعجع بأن يبقى شهداؤنا مَنقوصي الحُظوظِ مع طُغمةٍ حاقدةٍ، فاسدة، تُتقِنُ التَّحاملَ المُغرِض، ولم يَقبَلْ ما عانَوه من مرارةِ الحَيفِ من قريبٍ ومن غَريبٍ، لا يبيتانِ إلّا على هَلهَلَةِ نَسيجٍ قبيحِ الغَدرِ، فالشهداءُ، في عِرْفِ جعجع، والذين انتقلوا من جنَّةٍ الى جنّة، قد لَمَعَ دُرُّ شهادتِهم، في قلوبِنا، عِقداً مَنظوماً، وهمُ الأَصحّاءُ الوفاءِ، والثّابِتونَ في ضلوعِ الوطن، مَثَلُهم كمَثَلِ النّورِ الوهّاجِ، لا يَصمدُ في مواجهتِه إلّا أَصِحّاءُ العيون.

إنّ وقفةَ سمير جعجع المنتصرةَ للكرامة، قالَت للشهداء : يا أحبّاءَنا، عندما عَطَبَ مِبضعُ كارِهي لبنانَ عُروقَكم، أَمسى دَمُكم طِيباً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل