

كتب غسان أبو عضل في “المسيرة” – العدد 1732
القطاع المصرفي اللبناني بين أسباب السقوط وآمال النهوض
كيف يُمكن استعادة الثقة؟
ثلاثة مكوّنات أساسية تحدّد العمل المصرفي: رأس المال، العنصر البشري أي الموظفون، وطبعًا المودعون. وبما أن المصرف شركة تبغي الربح فلا بدّ من وجود عنصر إضافي هم المدينون الذين ينقسمون بين قطاع عام وقطاع خاص. القطاع العام هو الدولة والمؤسسات التابعة لها والمصرف المركزي، أما القطاع الخاص فيتكوّن من أفراد وشركات، وكل هؤلاء بحاجة للإستدانة من وقت لآخر.
يعتقد البعض أن الأزمة الحالية بدأت في العام 2019، فيما كانت قائمة حقيقة قبل هذا التاريخ بسنوات. لكن انفجارها في الـ2019 أثّر بشكلٍ مباشر على المودعين الذين عجزت المصارف عن تأمين السيولة لهم مما دفعهم إلى المطالبة بكل أموالهم دفعة واحدة. وبذلك بدأ ضرب أحد مكوّنات القطاع المصرفي، أي المودعين. وهذا العامل شكّل بدوره ضربا للهيكل برمّته عندما وجّه المودعون غضبهم إلى المصارف قطاعًا ومؤسسات وأفرادًا وممتلكات. وسرت موجة غضب توزّعت بين الإعلام والأرض والقضاء واستفادت منها بعض الجهات التي كانت تتربص بهذا القطاع منذ أعوام فساهمت بتفاقمها.
في الموازاة، ونتيجة لتراجع أعمالها، جرى إقفال عدد من الفروع المصرفية وتراجع عدد موظفي المصارف بأكثر من 25 في المئة منذ بداية الأزمة إلى اليوم، أي حوالى 7000 موظف. وهنا يمكننا الحديث عن ضرب المكوّن الثاني للقطاع.
أمّا المكوّن الثالث أي رأس المال فقد ضُرِب بما يُسمّى «الخسائر». وبدأنا نسمع من جهات عديدة منها ليست لديه خبرة ولا معلومات في كيفية عمل القطاع المصرفي، بوجوب إعادة «هيكلة» هذا القطاع، وبرزت كلمة «خسائر» في التعابير المستخدمة بشكل يومي بما يبدو أنه نوع من عملية غسل الأدمغة. وبدأ الحديث عن كيفية توزيع الخسائر بين المودعين والمصارف والدولة ومصرف لبنان وعن تراتبية المسؤوليات بمعنى أن الدولة هي المسؤول الأول والأكبر.
لكن بدا واضحا بعد فترة أن المصارف ستتحمل جزءاً كبيراً من الخسائر مما يفقدها رساميلها التي وصلت في العام 2019 إلى 22 مليار دولار تقريبًا. وبفقدان الرساميل ضُرِب المكوّن الثالث للقطاع.
الرابحون والخاسرون
لفهم ماهية الخسائر وما المقصود من استعمال هذا التعبير سننطلق من مبدأ عملي وهو: إذا كانت هناك خسائر في مكان ما فهذا يعني أن هناك أرباحًا في مكان آخر. لأن القطاع التجاري الذي تنتمي اليه المصارف يرتكز على مبدأ الربح والخسارة. لذلك، ولمعرفة حقيقة ما يحصل، علينا أن نحدد من الذي خسر ومن الذي ربح.
بعض الرابحين هم أولئك المدينون بالليرة اللبنانية والذين اشتروا بهذا الدين عقارًا أو سيارة أو أي سلعة، لأنهم وفوا ديونهم بالليرة التي انهارت فيما السلعة حافظت على قيمتها. كذلك المدينون بالدولار والذين كان بإمكانهم أن يحوّلوا ما اشتروه من سلع إلى الفريش دولار ويذهبون إلى المصرف فيعطونه شيكًّا لتسديد الدين بما يوازي حاليا 15 في المئة من قيمته الاصلية. وهؤلاء شركات وأفراد استفادوا وحققوا أرباحًا، وهم من القطاع الخاص. لكنهم يشكّلون الجزء الأصغر في جبهة الرابحين، فيما هناك جزءًا أكبر… من هو؟
معلوم أن القسم الأكبر من الودائع إما أقرضتها المصارف للدولة اللبنانية بالدولار وبالليرة اللبنانية، أو أنها أُجبرت بطريقة ما على إيداعها في مصرف لبنان الذي كان يفرض قيودًا على المصارف مقابل الودائع التي لديها، من احتياطات الزامية ونِسب ديون لا يمكن تجاوزها خارج لبنان، بالإضافة إلى تعاميم تصدر للتحفيز على إيداع الأموال في مصرف لبنان.
قبل أزمة 2019 كانت الدولة تعلن أنّ دينها يفوق 95 مليار دولار، واليوم تقول إن دينها أصبح 10 مليارات دولار. فكيف خفضت الدولة دَينها 85 مليار دولار ومن أين؟ وهي نفسها تقول إن هناك «خسائر». فمن الذي سيخسر؟ عندما ينخفض دين الدولة من 95 مليار دولار الى 10 مليارات دولار، فذلك يعني أن الدولة ربحت لأنها تستفيد من انهيار قيمة العملة الوطنية (!!). أما الذي سيخسر فهو مبدئيا كل من أعطى الأموال للدولة، أي المصارف ومصرف لبنان والمودعون.
أمّا بالنسبة إلى مصرف لبنان، فترفض الدولة تحميله خسائر لأنها بالنتيجة هي من سيدفعها. بل أكثر من ذلك تطلب منه الدولة شطب 60 مليار دولار من حسابات ودائع المصارف المسجلة في ميزانياته المدقّقة منذ أعوام (يعني هيركات من مصرف لبنان على ودائع المصارف لديه)، علما بأن هذه الأموال استعملها مصرف لبنان لتنفيذ سياسة الدولة المالية والنقدية وتسديد العجز في الموازنات بصورة مباشرة أو غير مباشرة. من جهة ثانية ترفض الدولة أن تدفع ديونها اليوروبوندز (أكثر من 30 مليار دولار) ممّا أدى الى خفض سعرها في السوق الى 7 في المئة من قيمتها، أي خسارة 93 في المئة لدائني الدولة.
وهنا نعود إلى السؤال الأساسي: أين ذهبت أموال المودعين؟ والجواب أن معظمها ضمن الـ95 مليارًا التي استدانتها الدولة مباشرة أو غير مباشرة وأنفقتها، وترفض اليوم إعادتها إلى المصارف لتعيدها هي بدورها إلى المودعين. بل بالعكس يحدثوننا عن توزيع للخسائر، لكن يتوجّهون الى أن يتحمّل المودعون والمصارف فقط تبعات ما اقترفته الدولة ومصرف لبنان.
الواقعية تقودنا الى سؤال: هل للمصارف قدرة على تحمّل هذه المبالغ الكبيرة؟ المنطق والمعلومات والوقائع تشير الى عدم إمكانية المصارف تسديد هذه الخسائر من دون أن تستوفي الأموال التي سلّفتها للدولة ولمصرفها المركزي. مما سيؤدي فعليا الى تحميل المودعين الخسائر الاكبر.
بالتالي تكون الدولة هي الرابح الأكبر إضافة إلى بعض القطاع الخاص والأفراد، أما الذي خسر فهم المصارف والمودعون.
إنطلاقًا مما سبق أصبح بإمكاننا القول إن وضع القطاع المصرفي يتوقف في المستقبل على العوامل نفسها تقريبًا التي تسببت بالأزمة. فإذا أعيدت الأموال من الدولة ومصرف لبنان ينحلّ جزءًا كبير من أزمة السيولة ومن الأزمة المالية، وتُصبح المصارف قادرة على إعادة الجزء الأكبر من أموال المودعين. أمّا إن لم تُعِد الدولة ومصرف لبنان الأموال، بالدولار الأميركي، ستواجه أغلب المصارف صعوبة إلى حد الإستحالة في إعادة كامل الودائع للمودعين.
ويبدو أن الدولة ومصرف لبنان مصرّان على اعتماد ما يسمّى «خطة التعافي» التي أرسلها مجلس الوزراء إلى مجلس النواب. مختصر هذه الخطة أن مصرف لبنان والدولة اللبنانية لن يعيدا الأموال إلى المصارف، وبالتالي سوف تُفقَد الثقة كلّيًا، ليس فقط بالقطاع المصرفي بل بلبنان كدولة. وهنا سيكون لبنان الخاسر الأكبر حيث ستنطبع في أذهان المودعين والمستثمرين واللبنانيين المقيمين والمغتربين كما العرب والأجانب أنهم خسروا أموالهم في لبنان وليس في هذا المصرف أو ذاك.
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فحتى لو أعيدت الأموال أو تأمّنت يبقى أن قطاعنا المصرفي خسر عدداً كبيراً من خيرة مديريه وموظّفيه. فكيف نعيد هذه المهارات التي تكوّنت على مدى السنوات الـ25 الأخيرة والتي هي ذات مستوى تقني عالمي، بعد أن تهاجر أو تتقاعد أو تتراجع خبراتها، في وقت ليس هناك جيل جديد ينضمّ إلى هذا القطاع. وحتى لو دخلت مصارف أجنبية أو تأسست مصارف جديدة، فلن تعيد الثقة، لأنها ستعمل تحت سلطة الدولة اللبنانية ومصرف لبنان والهيئات الرقابية اللبنانية التي تخلّفت عن الدفع. لذلك، فالقطاع المصرفي الذي شهدناه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وحتى خلال فترة الحرب والذي انتعش بعد الحرب، سوف يندثر وسنمر بفترة طويلة من الضعف. فالثقة لم تعد موجودة ليس في القطاع المصرفي اللبناني فقط بل بالهيئات الرقابية المصرفية التي هي مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والسلطات السياسية التي تعيّن هذه الهيئات، والتي تعثّرت وفشلت وانهارت وأسقطت معها كل شيء!
غسان أبو عضل – خبير مصرفي ومالي
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]