متى تتصالح المشانق مع الوطن

في لبنان، الكلّ بين فكّي المصير، أي بين التشبّث بكيان تستحقّ، معه، الحياة، وبين انهيار مقيت، البقاء، معه، مردودٌ على أشدّه، لأنّ النّاس لم يبق فيهم حسٌّ بالوجود، ولا روحٌ آملة.

إنّ حكّام البلاد، والذين استباحوها، ومن دون تكلّف، هم شرسون في الشرّ، إستوفوا تبرقع لوثاتهم فوق أنفاس الوطن، وتمتّعوا في الذّهاب، عمداً، الى الجانب المظلم من طبيعتهم ” الإنسانيّة “، فكوّنّوا طرازاً أنهك علماء النّفس، والإجتماع، والسياسة، والذين لم يجدوا لأوصاف هذا الطّراز القبيح تشبيهات.

إنّ طول الدّربة في الموبقات صار من الثّوابت مع أركان السلطة، ومع المفروضين، حتى اعتبر هؤلاء من أرباب هذه الصّناعة. إنّهم قدّاحو الشرّ، والشرّ أشكال، فالقمع، والضّغينة، والمكر، والعداوة، والفتنة، والظّلم، والتسلّط، لم تكنْ، من الوجهة التطبيقية، اتّهاماً مبالغاً فيه، ويجب الطّعن بصدقيّته. فهذه الأشكال البغيضة ظهرت منهجاً مضبوطاً التزم جافّو الحسّ الوطنيّ بمراميه، على اختلاف طبقاتهم، وبات من العقم أن ينفيه، منهم، منْ نفاه.

هؤلاء العاقّون خرجوا من دفّتي تاريخ لبنان، وكلّهم شناعة، فهم لم يأذنوا للخير أن يطغى، فكبلوه، ورجموه، وقطعوا أوصاله. ولمّا لم يعتبر الخير ما فعلوه هفوةً، انفجر غيظاً، وعتب على نفسه عتاباً عرف صحته، فما عاد بينه وبين الدّخلاء ماء عناق، وأفشى ما وجب كتمانه من مرارة، وقرر أن يبقى حاقداً عليهم، الى آخر الأزمنة.

هؤلاء المعدومون الكبر، يلجؤون، دائماً، الى الأسباب القاهرة، تبريراً لانقطاعهم عن مسارب الحقّ، وعن عشرة الحقيقة، وهم يمدمكون لانحطاط خان أمانة الحضارة، وكان بارعاً في تقفيز الوطن الى الهاوية. إنّهم ينتسبون الى الأذهان الصدئة، وينتمون، في الخلق، وفي الوطنيّة، الى طقوس وثنيّة ملحدة، وليس لهم أيّ منفذ في شعاع الكيان، وأيّ مدبّ في ملح الأرض، لذلك، لن يشفى لبنان، معهم، من شروخ تفسّخ سيادته، وتدمّر وجوده الحرّ .

هؤلاء الهمج في تعاطيهم التبعيّ، التحموا بالأنانيّة، وأدمنوا التعنّت، وعقدوا قرانهم على اللّؤم، وغلبوا، في الطبع، الشرّ، والأهواء الرخيصة، والفساد، وزحفوا الى مسقط رأس التجنّي على البلاد، والتجنّي مبذورٌ في طينتهم. وأضرموا قوّة شغفهم بتدمير صفاء عيش الناس، حتى لا يتنفّسوا فرحاً، وطمأنينةً، ووعداً بالآتي، وإحساساً بالأمان، ويصبح الوطن، بذلك، ركاماً مبتذلاً على قارعة التاريخ، لا يستحقّ وليمة الحياة، ويتهيّأ لاستقباله الموت الوعر.

هؤلاء الدجّالون الذين شوّهوا الحقيقة بالباطل لتسييل عيوبهم، قد استوطنت، فيهم، قياساتٌ متهوّرةٌ، فوضويّةٌ، بعيدةٌ، بانفعالها، عن صفوة العقل، وحكمت، بينهم وبين الوعي، علاقةً سلبيّةً أبدت الجمود، والعتمة، ما أجهض رقصة نجمة الصّبح في إمتاع سماء الوطن. لقد سعى هؤلاء القتلة، بسلوك مدمّر، الى سلْخ الهويّة عن الحقّ والحقيقة، وتوخوا، عليها، التحامل، والتشويه، والتحريف، والتّفكيك، لترمى في دائرة النّار.

هؤلاء الطّارئون على الوطنيّة، تقاعسوا، واعين، عن واجب انتمائهم للأرض، وولائهم لعزف نشيدها، وفاخروا بالفتور الوطنيّ، وبركود مشاعر العنفوان، فما عادوا يهتزّون إلّا لخطاب لا تصدق فيه قيم الحقّ،  والمواطنة، يعيد إعمار الإنفعالات والأمزجة، فتصبح طيّعةً، ليمارس عليها مطلقوه الرقّ الأهوائيّ، والإستعباد، والتّدجين. وفي ذلك اغتيالٌ مبينٌ لحريّة البلد، وبيعٌ، بالثمن البخس، لعزة نفس النّاس، فكأنّها خرقةٌ في جدار.

هؤلاء الذين مارسوا ما خبث من الظّلم، وما فسد من السلطة، قد تدحرجت، معهم، وبهم، الأحداث الى ما يشبه عبادة النّار والعار، فأصبح مصير الوطن أقرب الى الخسارة، واقعاً في شرك الشّيطان، معجّزاً عن وقفة الانتفاضة، وفطنة الثّورة، إلّا بمقامات الكلام. فقد أجهض المهيمنون بالقمع الدمويّ، إيمان النّاس بأنّ الثورة هي أجرأ رحلة تبرهن على أنّ البعث ليس مستحيلاً، وتعالج انحرافات الذين زلتْ رؤوسهم عن جسم الوطن، وترسّخ قناعة أنّ الوطن هو خبزٌ صلب العود، وليس رقعةً متقوقعةً في قمقم الزّمان والمكان، يتمدد فوقها لهاث ذئاب ناهشة، تحوّل كيانها حطاماً ذليل الملمح.

مع هؤلاء السفّاحين، لبنان ممددٌ فوق بساط من الحزن، والتلاشي، واليأس، ومأسوية البؤس، جراحه تنغّص عليه عيشه، ليخوض، مكرهاً، في مواضيع العدم، والإحباط، ويثب الى مواسم الموت… كيف لا، وسهْم حكّامه ناحري الكرامة الوطنيّة، ينطلق الى رميته بلؤم مغرض، وطريقه الى قتل لبنان غير ضيّق.

يا هؤلاء، لن نقبل لوطننا، بعد، أن يعالج الجرح بالبشاشة، والقتل بالرويّة، والحزن بالخجل. وإذا كنتم حكّاماً خونةً بعتم الدّار المقدسة التي لم تكن، يوماً، في عمق عصبكم، لذا، ينبغي لنا، نحن المتوثّبي المشاعر الوطنيّة، وخازني ثروة الوجود الكريم، والحرّ، أن نهيّئ اقتحاماً لكم، يا أملاك الشّياطين، حتى تستفيق المشانق، وتتمّ المصالحة بين أعوادها، وبين حقّ لبنان بالحقّ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل