Site icon Lebanese Forces Official Website

الرابعة إلا خمس دقائق… هل رأيتم بشير؟

كتب الدكتور جورج فريحة في “المسيرة” – العدد 1732

الرابعة إلا خمس دقائق… هل رأيتم بشير؟

وكتب التاريخ… رئيسًا خاشعًا على قبر شهيدّ

الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982، إثر انتهاء آخر موعد رسمي للرئيس المنتخب بشير الجميل مع المدير العام للأمن العام، دعاني إلى مرافقته إلى دير الصليب لتناول الغداء عند شقيقته الراهبة أرزة. فاعتذرت لارتباطي بموعد في المجلس الحربي مع المصرفي عدنان القصار لاستلام شيك مصرفي من البنك الدولي والمخصص للدولة اللبنانية برئاسة الرئيس الجديد. فقال لي: «إذن نلتقي في الساعة الرابعة في بيت الكتائب في الأشرفية». وكان من المقرر أن يزور بيت المنطقة في زيارة وداعية، تحية منه للتضحيات الثمينة التي قدمها هذا القسم في مسيرته نحو الرئاسة. واتفقنا على أن نلتقي هناك.

الثالثة والنصف، اتصل وقال لي: «لا تأتِ إلى الأشرفية، بل إذهب إلى الهوليداي بيتش، فروبرت باریت، سفير الولايات المتحدة الأميركية بالوكالة ذاهب إليك ليسلمك برقية مهمة.

الرابعة إلا خمس دقائق وصل السفير باريت، فانتحيت به في إحدى الغرف حيث أملى عليّ نص البرقية، باعتبار أنه ملزم بتقديم النص الأصلي إلى الرئيس المنتخب.

وفيما كنت أتحدث مع باريت حول مفاعيل هذا الإتفاق، فجأة سمعت جلبة خارج الغرفة، فأسرعت إلى فتح الباب وسمعت صراخ زوجتي فيفيان وهي تقول: «جورج لقد أذاعوا خبرًا مفاده أن إنفجارًا وقع في الأشرفية». فأخبرت السفير وركضنا إلى الغرفة المجاورة حيث يوجد جهاز تلفزيون، فرأينا مذيع الأخبار عرفات حجازي يُدلي بالآتي: «الحمد لله، لقد سلم الرئيس بشير الجميل وسلم لبنان».

عدت مع السفير لنتابع الإجتماع، وإذ بزوجتي تصرخ من جديد: «جورج لقد أذاعوا بأنهم انتشلوا جثة جان ناضر من تحت الأنقاض». حينئذ ساورتني شكوك سوداء لأن من عادة جان الجلوس بالقرب من بشير. فقررت آنذاك أن أتوجه إلى الأشرفية. تركنا السفير وأنا الهوليداي بيتش مسرعين. وعند وصولي الى موقع الإنفجار، إلتقيت أمام بيت الكتائب بقائد الشرطة الكتائبية ديب أنستاز، وغابي توتونجي شقيق صولانج زوجة بشير، وطمأناني أنهما رأيا بشير محمولاً إلى سيارة إسعاف وهو مغطى بالتراب والغبار.

هالني منظر الدمار والضوضاء والصراخ والجنون، فأسرعت عائدًا إلى الهوليداي بیتش حيث كانت تنتظرني زوجتي على أحرّ من الجمر. صعدنا بسرعة إلى بكفيا لملاقاة عمتها جنفياف والدة بشير، واصطدمنا هناك بسؤالها: «أين بشير؟ لم يتصل بي حتى الآن». ومعلوم أن بشير كان يتصل بوالدته عند حدوث أي أمر يشغل البال. وكان حاضرًا في بكفيا كل من شارل مالك والأباتي بولس نعمان والشيخ بيار الجميل. بعد قليل، كلّمتني هاتفيا صولانج سائلة: «هل رأيت بشير؟» أجبتها بالنفي، فقالت: «إني خائفة جدًا يا جورج وافني إلى المجلس الحربي». فتوجهنا جميعًا إلى هناك حيث كان الوجوم سيد الموقف. وإذا بالدكتور بول الجميل يدخل متجهّمًا ومكفهر الوجه، لا يستطيع الكلام، وعرفنا منه بصعوبة أنه عاد من مستشفى أوتيل ديو حيث رأى جثة بشير وعرفها من الخاتم في إصبعه ولون قميصه، فما كان من شارل مالك إلا أن ركع وقبّل يد بيار الجميل وهو يبكي بكاءً مرًا.

إغتيل بشير في عرينه، بين رجاله ومحبّيه ومؤيديه، مع نفر من الذين حلموا معه ببناء لبنان هانئ، مزدهر، سعيد يتوارثه الأبناء والأحفاد من بعدنا.

ولولا زيارة باريت لكنت معه!

وإني، إذ أسجل هذه الذكريات أسائل نفسي:

– أي المصيرين هو الأفضل؟ الرحيل معه، أم البقاء بعده؟

بشير الجميل أحب الأشرفية. فيها عمل باذلاً أقصى الجهود. بين أهلها لمع، بل تألّق. منها انطلق، ثم… أبى إلا أن يموت فيها.

ما اكتفى بأن يحبها حتى الإستشهاد، بل جعل من حبه رمزًا لا يزول، وعبرة لا تُفنى، وأمثولة لا يقوى عليها النسيان.

 

ماذا كان يريد بشير؟

كنا نسهر الليالي حتى ساعات الصباح الأولى نتعاون مع بشير لتحضير خطاب أو ندوة أو مؤتمر. صحيح أنه تألّق على المنابر بعفويته وشخصيته الساحرة الكاريزماتية، لكنه كان يخصص الوقت لتعميق المفاهيم والمصطلحات التي استخدمها وكان يبلورها بدقة. فكان يتكلم أو يكتب، كنا سليم الجاهل وأنطوان نجم وأنا وأحيانا شارل مالك نصحّح ونضيف ونحذف ونستخلص كلمات أصبح يردّدها في خطبه المرتجلة والمكتوبة. فصارت شهادات واستحداثات طبعت مرحلة الثمانينات، لا بل تاريخ لبنان المعاصر، ومن بينها:

– لن نكون تينة يابسة تمرّ عليها الفصول من دون أن تحرّك فيها الحياة والحركة والثمرة.

– إذا صعُب قول الحقيقة فقولوها، لأن التغاضي عنها أصعب بكثير من قولها.

– لا أوافق على كلمة تقولها، لكني أستشهد حتى الموت لأفسح لك المجال للتعبير عنها.

– حفظ اللبنانيون تعاليم المسيح، فهم مولعون بالسلام وتواقون إليه.

– لا تُقاس المحبة بأي معيار، فدرهم منها يوازي قناطير من البغضاء.

– التاريخ يُكتب بأجمل ما سجّله المؤرخون وأيضًا بدم شهداء الأمّة.

– لا قيمة لأرض شاسعة لا تضم إنسانًا خلّاقاً في حياته.

– إن مرارة الحياة تقف على علبة الموت.

– لا قيمة لأية قضية وطنية إذا لم تؤمّن للشعوب أمنها وحريتها.

– الصيغة الصالحة لأية دولة تريد البقاء هي التي تضم حضارات لا يخشى فيها أحد على مصيره أو حقوقه.

– الحرية شعلة لا تُطفأ تنير المحبة والكرامة وتستجلب شهداء يدافعون عنها.

– لا يوجد أمن حقيقي في وطن إذا لم يكن أبناؤه أحرارًا.

– للبنان رأسمال وحيد هو حضارتنا لمدى الأجيال.

– لعن المسيح التينة الجوفاء فلن يكون في لبنان تينة بلا ثمرة.

– للشهادة قداسة فكلّ مخلص يقف خاشعًا على قبر شهید.

– الإدارة إذا لم تتطوّر بطهر وإخلاص ستبقى راسبة في أعمالها.

– عطاء المحبة له معيار لا يُقاس إلا بالقناطير.

– هدفنا التغيير للوصول إلى الجمهورية الثانية.

– إن الجديد في لبنان لا يكون أرضًا جديدة بقدر ما هو إنسان جديد.

– نحن لا نريد وطنًا قوميًا مسيحيًا، بل وطنًا لجميع اللبنانيين.

– جوهر القضية اللبنانية بكل بساطة، هو أن تتأمّن لكل مضطهد في الشرق أرض يتمتع عليها بأمنه وحريه.

– نريد صيغة تأخذ في الإعتبار وجود جميع الطوائف والحضارات اللبنانية، بحيث لا يخشى أحد على مصير مهدّد أو حقوق.

– إن الحكم يستمد قوته من الديمقراطية.

– الحرية هي الشعلة المقدّسة التي نستمد منها المحبة والعزة والكرامة. وسنظل أبدًا نستميت في الدفاع عنها والإخلاص لها.

– الأمن الحقيقي هو الأمن الحرّ.

– إن لبنان الذي نؤمن به، هو وطن حريات للجميع.

– أنا آتٍ لمهمة محددة هي 10452 كلم مربع.

– لسنا غرباء عن العالم العربي ونريد أن نعيش فيه بسلام.

– يجب أن يصبح عندنا مئة وخمسون ألف جندي مجهّزين بكل المعدّات المطلوبة.

– لم تعد الإدارة قادرة على تحمّل كل التبعات والرواسب، لذا يجب أن تتطوّر وتتطهّر.

– رأسمالنا الوحيد هو حضارتنا وثقافتنا وتريبتنا.

– من أعطاكم درهم محبة أعطوه منها قناطير.

– نريد أن نحافظ على الأمانة حتى آخر واحد منا.

– إن التاريخ لا يُكتب إلا بدم الشهداء.

– أتيت لأطلب منكم أن تقولوا الحقيقة مهما كانت صعبة.

– لا نودّ أن نركع.

– إننا شعب مولع بالسلام توّاق إليه.

– إن البلاد تحتاج رئيسًا قويًا ونرفض رئيسًا ضعيفاً.

– الحكم القوي هو القوي بقراراته وبقدرته على تنفيذها

– نحن مستعدون للحوار ليس مع الملائكة فقط، بل مع الشياطين لمصلحة لبنان.

– لا يستأهل أن يكون رئيسًا من لا يقف خاشعًا على قبر شهيد.

وكلمته الأخيرة كرئيس:

– إن نجحت في تحقيق الدولة القوية بحكم قوي على كامل الأرض اللبنانية، أكون قد نجحت. وإلا فأنا رئيس جمهورية شرعي على ما يبقى من لبنان.

لم يكن لدى بشير مشروع سياسي أو إيديولوجي محدّد، سعى الى تحقيقه، بقدر ما كان مناضلاً في سبيل قيم ومبادئ عبّرت عنها هذه المصطلحات والمفاهيم التي بلورها، وفي مقدمها الحرية، الثابتة في جميع أهدافه واستراتيجياته ومشاريعه. وبعد علاقاتي المباشرة معه التي امتدت إثنتي عشرة سنة متواصلة، إستخلصت أن ثمة أمرين مهمّين بنظره كانا يدغدغان مبتغاه لو عاش باعتبارهما المدخل لتحقيق السلام والإستقرار في لبنان ولتحصين الحرية فيه، وهما:

أولاً: إعادة الإعتبار لرئاسة الجمهورية المفكّكة الأوصال، بسبب عدم تطبيق صلاحيات الرئيس كما وردت في الدستور، وممارسة الحكم برأسين. لذلك قرّر تكليف إما عثمان الدنا أو سليمان العلي لرئاسة الحكومة بعد أن إطمأن إلى أنهما لن يحرجاه في الحكم كرؤساء، خصوصًا لأن تطلعاتهما كانت في غالبية الأحيان لبنانية وتضع مصلحة لبنان بالدرجة الأولى.

ثانيًا: التصدّي للإنخفاض الديموغرافي المتواصل في أعداد المسيحيين من نحو 80 في المئة في عهد المتصرفية، الى أكثر بقليل من النصف، بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وإصرار البطريرك الياس الحويّك آنذاك على ضمّ الأقضية الأربعة ذات الأغلبية المسلمة، وإلى ما قد يقل النصف في عهد بشير.

وللتصدي لهذا الهبوط الديموغرافي المسيحي كان بشير سيتبنّى:

1ـ مشروع جورج الصليبي، رئيس مجلس الخدمة المدنية، ومفاده الإيعاز الى كافة قناصل لبنان في المدن الكبرى في الأميركيتين وأوروبا ليرسلوا الى لبنان لوائح بأسماء المقيمين هناك من أجل إعادة الجنسية اللبنانية إليهم.

2 – إعتماد الإدارات اللامركزية بجميع وجوهها من فيدرالية وكونفدرالية ومشتقاتها، كما وردت في دراسات لجنة البحوث في الكسليك وأخصائيين كأنطوان نجم وجان شرف وغيرهما.

3 – التواصل مع بعض مسيحيي الشرق الأوسط، وبخاصة الذين هاجروا منهم إلى أوروبا والأميركيتين، بعد تلقيه منهم رسائل التهنئة متمنّين له التوفيق والنجاح والتي تعدّى عددها المئات، وقد أُرسلت من الجامعات والمؤسسات. كما أُرسلت أيقونات وصلبان من كافة أنحاء العالم، وبخاصة من أقباط مصر وأشوريّي العراق ومسيحيي سوريا والأردن الذين صرّحوا بأن لبنان هو وطنهم الثاني.

وفي هذا الإطار، فيما يأتي رسالة أنشرها كنموذج يستدعي الإنتباه، وهي من الكونت بيار دو لاموت الماركي دي سينون، نيس فرنسا، هذه ترجمتها:

حضرة الرئيس،

إسمحوا لي أن أتقدم بالفرح والأمل الكبير والتهاني لانتخابكم. عاش لبنان ليبقى حيًا وحرًا ومؤمناً.

حضرة الرئيس، إني أعرض عليكم أن أستضيف على ممتلكاتي الفلسطينيين المتواجدين في لبنان، وخاصة في بيروت، والبالغ عددهم 300,000 نسمة. فممتلكاتي هذه موجودة في الاندر واللوار على بعد ستين كيلومترًا جنوبي غربي مدينة تور. كما إني أقدم أيضًا لهذا الغرض ممتلكاتي في غرب مدينة مونتريال في كندا. إن عملية نقلهم وإقامتهم ومساعدتهم ستكون على عاتق المنظمة العالمية والدول العربية. وإذا أُبعدوا عن لبنان سوف لن يشكلوا بعد ذاك خطرًا عليه.

كذلك يمكنني إستضافة عائلات شيعية ودرزية إذا أردتم ذلك. باستطاعة فرنسا القيام بهذا العمل لمصلحتهم.

وتفضلوا فخامة الرئيس بقبول أصدق تمنياتي من أجل القضية التي تقومون بها للبنان وبركة يسوع المسيح .

المخلص لكم وللعائلة

بيار دو لاموت

نيس 24/8/1982

 

وماذا بعد؟

وفي الختام، وبعد إثنتي عشرة سنة متواصلة مع بشير حتى رحيله، سبقتها إثنتان وعشرون سنة من حياته الصاخبة، كيف أصفه؟ تتسارع الصفات وهي متضاربة تجسّد شابًا مرّ كالبرق في ظلام لبنان، فأضاء شعلة برّاقة ما لبثت أن انطفأت بسرعة. فرحي وحزني أني رافقت هذه الشعلة وهي تعيش حناياي حتى اليوم.

تكتب عنه، فتكتب عن مجد لبنان. فالحرب في لبنان منذ تاريخ 13 نیسان 1975 المتشابكة، المتصاعدة، المتفاقمة، لياليها الطويلة هي لياليه، وأنوارها الحائرة بين التألّق والإنطفاء، بين الظهور والإختفاء، هي ما كنت أراه في عينيه، في نظراته المتوثبة إلى فوق، في تطلعاته الى الغد المرتجى، الى المستقبل المنشود.

من عقده الثالث الى عقده الرابع، مشى كأنه يسابق الأيام، يتحدّى القضاء، يصارع القدر، يختزل الزمان، يخلط الفتوّة بالشباب، والشباب بالرجولة، ويجعل العمر سلسلة بطولات تتمرّد على الألم، تستحلي المرارة تجاه الصعاب، تتخطى الكوارث والنكبات لتنفيذ الرجاء، ليبقى الأمل حيًا وليبقى لبنان.

راقبتُه طويلاً في جدِّه ودعابته، في فرحه وحزنه، أخذه وعطائه. وامتلأت به روحًا وفكرًا، وجدانًا وضميرًا، فرحت أقول في نفسي: إذا قُدِّر لهذا الإنسان أن يعيش طويلاً، فسيكتب التاريخ عنه صفحات فيها بياض. وإن لم يعمِّر، فحسبه إعتراف الذين تأثروا به، وتعاونوا معه ـ وأنا أحدهم ـ بأنه أنجز ستة أعوام 1976 ـ 1982 ما لا يُنجزه سواه في قرون، وقفز فوق العقبات قفزات بطولية تثير الحماسة، بل تُلهب الخيال، واستخف بالموت، وكاد يروّض المستحيل.

هذه الكلمات، أوجزت مسافات محدّدة من مراميه، إلا أنها، مهما بلغت من النجاح، تبقى مقصّرة عن استيعاب شخصيته، عن رسم صورة كاملة تتجلّى فيها مواهبه ومزاياه. فهو الرجل اللغز لأجل الأسطورة. الرجل الفذّ العجيب…

هذا بعض ما يُقال فيه من غير أن يفيه ولو جزءًا من حقه، خصوصًا بالنسبة إلى الذين أحبوه حتى العبادة، حتى الإقدام على الإستشهاد، حتى بذل الحياة تلبية لإشارة منه، أو حركة، أو غمرة. إنه رمز الشباب الثائر المغامر حتى الجنون. يصلّي في القداس خاشعًا وفي أعماقه طمأنينة الإيمان، ثم يخرج من الكنيسة ليحمل السلاح ويروح… يروح إعصارًا لا يعبأ بالموت، لا يكترث بالخطر.

هل هذه شجاعة؟ وما الشجاعة إن لم تكن حرارة شباب مؤمن بأنه يناضل دفاعًا عن حق، وذودًا عن كرامة؟

أجل، هكذا يروح، ومتى عاد، إستقبلته إبتسامة، ورحّبت به موجة فرح، وإن مات، فرثاؤه إبتسامة أيضًا، ولكن على ثغره وقد صفعت الموت، وحملت بركة من أرز الرب حلّت عليه فجعلت أوجاعه تسبيحًا، واستشهاده قرباناً يُضاف زهرة جديدة الى إضمامة الخلود.

كثير قيل فيه، وأكثر سيُقال. ولكن القول وحده لا يكفيه، ولن يرضيه. فالغاية التي بها استقوى، ومن أجلها ناضل، وفي سبيلها استشهد، لم تمت معه ولن تموت. إنها لنا، وفينا، ومنا، ومعنا. إذا أبقيناها، وبقينا لها، وإليها تابعنا المسيرة، بعثنا البشير حيًا فينا، وقهرنا الموت، وكنا جديرين بالحياة التي أرادها لنا. وغايته ليست سرًا، ولا لغزًا، ولا أحجية، ولا طلسمًا. هي واقع إنساني لا ننعم بخيره، لا يهنأ به الأبناء والحفدة بعدنا، إلا إذا سرنا إليه صادقين مؤمنين، مجاهدين.

هذا الواقع واضح في ما أبقاه لنا بشير. في معطيات نشاطه، وشجاعته، وكفاحه. في «القضية اللبنانية» التي منها استمد النشاط، ومن معناها القدسي إغترف الشجاعة، وفي سبيلها كافح.

فلنسر على دربه، إذا شئنا حقاً أن يعود إلينا. وإلا، فلا يكون هو قد مات، بل نكون نحن قد اخترنا بعده الفناء. وإذا نحن تخاذلنا، أو تقاعسنا، أو تجاهلنا مرماه، أو تخلّينا عن رسالته، نكون قد انتحرنا، فقتلناه مرتين. الواقع أنه قُتل مرتين وثلاث وأربع وأكثر. نعيد ذكراه كل سنة وكأنه لا يزال معنا بالروح وبالوجدان وبالضمير فقط، لا بالوجود والفعل والإقبال. فبعد خمسة وثلاثين عامًا يمرّ كالحلم وحلمه يقظة لا تُمحى مع السنين.

• من كتاب مع بشير ذكريات ومذكرات

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version