_copy.jpg)





.jpg)
كتب أنطوان نجم في “المسيرة” – العدد 1732
14 أيلول 1982.. “ذاك اليوم المشؤوم”
نجم: بكيت على مستقبل رأيته قادمًا
ما هي قضية مسيحيّي لبنان في رؤية بشير الجميّل السياسية؟ ولماذا شدّد في غالب خطابته على فكرة الحرّيّة وعدم القبول بالعيش ذمّيّين؟وما رؤية بشير للعيش المشترك والتقسيم؟
السياق التاريخيّ للواقع في زمن بشير ما كان بعد منسلخًا عن ذكريات شعبنا عن الزمن العثماني في كلّ معطياته. بالإضافة إلى رفض المجتمع الإسلاميّ، وقتذاك، لبنان القائم على الرغم من توافق 1943. وفي ما يأتي دلائل قليلة من كثيرة:
• زعيم طرابلس رشيد كرامي قابل جمال عبد الناصر في دمشق، خلال أحداث 1958، على رأس وفد كبير وطلب إليه ضم لبنان إلى الجمهورية العربية المتحدة.
• 25 آذار 1975، مظاهرات في طرابلس أطلقت خلالها النار على الكنائس.
• ما كتبه مدير دار الإفتاء حسين القوتلي، في جريدة «السفير» بتاريخ 18 آب 1975، والذي هزّ، وقتئذٍ، وجدان المجتمع المسيحيّ هزًّا قويًّا.
• 11 أيلول 1975، ذُبح 3 رهبان في قرية في الشمال.
• في 25 تشرين الأوّل 1975، قُتل الراهب اليسوعيّ، «لويس دوما» أمام كليّة الطبّ في بيروت.
• 30 تشرين الأول دمّر الفلسطينيّون دير الناعمة قرب الدامور وعذّبوا كهنته.
• 4 كانون الأوّل 1975، هجوم على الكنيسة الإنجيلية في طرابلس.
• ليلة 5-6 كانون الأوّل 1975، أدت مذبحة فلسطينيّة لـ4 مسيحيّين على طريق المون لاسال في المتن إلى مذبحة مقابلة مرعبة.
• 20 ت1 1976، مذبحة العيشية في الجنوب.
• زهير محسن، رئيس الصاعقة الفلسطينيّة ورئيس الدائرة العسكريّة في منظمة التحرير الفلسطينيّة وعميل حافظ الأسد، أقرّ لمجلّة «الحوادث»، العدد 1072 تاريخ 1977/5/27: «أن جهات عربية ودولية زيّنت للمقاومة حلم إحتلال لبنان». وقالت للزعماء الذين استمروا في الحرب: «إذا حكمتم لبنان تستطيعون المقايضة عليه بالضفة الغربية».
وهناك أمور أخرى كريهة جدًّا أصابت مجتمعنا اللبنانيّ. أكتفي بما ذكرت لأضع أبناء اليوم في أجواء ردود فعلنا طيلة سنوات.
هذا بعض ما جرى بكل أسف. وبذا نفهم ذلك المناخ القذر الذي عشنا وعاش فيه بشير.
إنطلاقًا من كلّ ذلك، نتساءل: ما كانت خلفيّات بشير وهدفه في تلك الحقبة؟
بكلّ بساطة، كنّا، بشير والمجتمع المسيحيّ برمّته، نريد أن نكون وسائر اللبنانيّين جميعًا، ومن غير أيّ إستثناء، مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص. هذا كان هدفنا وخلفيّة مقاومتنا ولا يزال.
ولطالما تكلّم بشير في موضوعَي الحرّيّة والكرامة للجميع.
ومن أقواله لجريدة «السفير»، بتاريخ 25 تشرين الثاني 1981: «ثلاثة مبادئ أساسيّة وثابتة تتمسّك بها المقاومة اللبنانيّة:
1- الحفاظ على إطار التعاقد الثنائيّ بين مسلمي لبنان ومسيحيّيه…
2- الحفاظ على وحدة لبنان الجغرافيّة في حدوده المعترف بها دوَليًّا…
3- الحفاظ على الحرّيّة وضمان الحرّيّات العامّة من سياسيّة وثقافيّة واقتصاديّة واجتماعيّة في ظلّ نظام ديمقراطيّ يتجاوب مع حاجات المواطنين ويكفل أمنهم.»
في أي نظام يريد بشير ذلك؟
قال بتاريخ 14 نيسان 1981 إلى «إذاعة صوت لبنان»: «نحن لن نتكلّم اليوم عن أيّ صيغة، لا نريد فدراليّة ولا اللامركزيّة ولا المركزيّة، كما لا نريد حكومة مركزيّة قويّة أو جيشًا مركزيًّا قويًّا أو جيشًا لامركزيًّا. نريد أن نتحرّر، وعندئذ نجلس والمسلم إلى طاولة الحوار. وأعتقد أن التوصّل إلى اتّفاق بيننا لن يستغرق أكثر من 24 ساعة…»
وكان قد ذكّر جريدة «القبَس» بما يأتي بتاريخ 13 كانون الأوّل 1980: «إنّ الواقع المجتمعيّ اللبنانيّ هو واقع جماعات وطوائف، إذ ثبُت للمؤرّخ وللباحث الاجتماعيّ، على نحو قاطع، أنّ كلّ جماعة وطائفة متمسّكة بخصوصيّاتها، وليس في هذا أيّ عيب، ولا يتناقض، من حيث المبدأ، مع إرادة العيش المشترك. إنّ التعدّديّة في لبنان حقيقة أكّدت ذاتها في كلّ المناسبات، وما علينا سوى تنظيم هذه التعدّديّة على نحو تآلفيّ بدلًا من أن تكون تصادميّة.»
ومن الأمور التي شدّد عليها التشديد كلّه تأتي مسألة الذّمّيّة في الإطار الأوّل والمطلق. وقد ردّد ذلك مرارًا عديدة.
من أقواله بتاريخ 15 كانون الثاني 1982: «لن نهرب، ولن نركع، ولن نعيش ذمّيّين في هذه المنطقة، فنحن نريد أن نعيش أحرارًا، وفي استطاعتنا الوصول إلى ما نريد.»
وبتاريخ 28 آذار 1982: «ليس بواردنا أن نكون ذمّيّين لهذا ولا عملاء لذاك.»
وفي العام 1982، أيضًا، قال في دورة تدريبيّة عسكريّة: «إنّنا شعب قرّر ألّا يركع، وألّا «يؤشمل»، وألّا يهرب من بلده.»، علمًا بأنّه كان في لبنان إجماع على رفض التقسيم سواء من البطريرك المارونيّ نفسه أم من الجبهة اللبنانيّة.
وصرّح غبطة البطريرك المارونيّ أنطونيوس خريش: «جميع زعماء الموارنة هم ضدّ التقسيم»، وذلك في «النهار العربي والدولي» في 1 تشرين الأول 1977.
وصرّح والرئيس كميل شمعون: «التقسيم غير وارد عند أحد» وذلك في مجلة «الأسبوع العربي» في13 حزيران 1977.
وصرّح الشيخ بيار الجميل في مجلّة «الحوادث»، 27 أيّار 1977: «نحن ضدّ التقسيم».
وصرّح المؤرّخ جوّاد بولس: في جريدة «العمل»، 12 حزيران 1977: «نحن ضدّ التقسيم».
والمعروف أنّ ثلاثتهم أعضاء في الجبهة اللبنانيّة.
وروى لي الصحافي الكبير الأستاذ غسان التويني في لقاء خاصّ في منزله في بيت مري بتاريخ 16 شباط 1980، أنّه جمع أمين وبشير الجميّل بالبطريرك الإنطاكيّ للروم الأرثوذكس المغفور له الياس الرابع معوض في دير مار الياس في المتن. في خلال الحديث – النِقاش، انفعل البطريرك، ووجّه كلامه إلى بشير قائلًا: «أنت لا تدري أنّني، خلال هذه الحرب، كنتُ أركع وأصلّي من أجلكَ. لقد صلّيتُ من أجلك، أكثر ممّا كنتُ أعترف بيني وبين نفسي».
موقف البطريرك معوّض أثّر عليّ كثيرًا، وثبّت خياري لبشير واقتناعي به وبقيادته المقاومة.
ومن هنا علينا أن نفهم كلّنا لماذا وكيف تمّ انتصار المقاومة اللبنانيّة على المؤامرة الأسديّة-الفلسطينيّة-اليساريّة الضخمة. انتصار المقاومة اللبنانيّة هو الذي أنقذ التعايش الإسلاميّ-المسيحيّ في ذلك الحين. وثبّت لبنان في مساحته الجغرافيّة الكاملة.
أين كنتُ في 14 أيلول 1982، وكيف وصلني خبر إستشهاد بشير؟
إعتاد بشير أن يلتقي كتائبيّي الأشرفيّة كلّ يوم ثلاثاء الساعة 4 من بعد الظهر. لكنّه عندما أعلن ترشحيه لمركز رئاسة الجمهوريّة في شهر تمّوز، قرّر التوقف عن ذلك وتكليفي أن أنوب عنه. فقمت بالمهمّة على نحو غير منقطع حتى يوم الثلاثاء في 14 أيلول. في صباح ذاك اليوم المشؤوم، إتّصل بيَ بشير يُعلمني أنّه سيكون هو في الأشرفيّة هذا اليوم فقط.
حوالى الساعة 4 إلّا ربعًا من بعد الظهر رنّ جرس الهاتف في مكتبي في المجلس الحربيّ. كنتُ آنئذٍ في اجتماع مع المونسنيور إغناطيوس مارون، أمين عامّ المدارس الكاثوليكيّة، والأستاذ شارل غسطين، المسؤول التربويّ في حزب الوطنييّن الأحرار. كنّا نفكّر في صياغة مسوَّدات مشاريع قوانين ومراسيم تضع موضع التنفيذ الشّقّ التربويّ من «برنامج الحكم»، والذي كان من المأمول أن ينفّذه بشير خلال ولايته الرئاسيّة.
كان المتكلّم عاطف زلاقط، رئيس مكتب الإعلام في الأشرفيّة. قال لي: «الباش (وهو إسم التحبُّب لبشير الجميّل) لم يأتِ بعد. تفضّل إلى الأشرفيّة (أيْ بيت كتائب الأشرفيّة) لإعطاء الحديث الأسبوعيّ.» قلتُ له: «حسب معلوماتي، الباش مصرّ أن يعطي هو الحديث. على كلٍّ، إتّصل به. إنّه في القصر الجمهوريّ أو في طريق العودة. واستعلم منه هل سيأتي إلى بيت الأشرفيّة أم لا؟ فإذا كان الجواب بالنفي، أخبرني بذلك بسرعة. وسأكون عندكم بعد بضع دقائق.» لم يتّصل بي عاطف زلاقط ثانيةً. فاعتبرت أنّ «الباش» وصل إلى بيت الكتائب. واستأنفنا اجتماعنا الثلاثيّ.
ما إن مرّ بعض الوقت، حتى لمحتُ من شبّاك مكتبي، المطلّ على الباحة حيث كانت حركة غير إعتياديّة. رأيتُ بعضهم يستقلّون سيّارات وينطلقون بها بسرعة، وآخرين يركضون باتّجاه الباب الخارجيّ. فاتّصلتُ بإحدى العاملات في سنترال الهاتف أستوضحها الأمر. فأجابتني قائلة: «هناك إنفجار «قرب» بيت الكتائب في الأشرفيّة. ولكنّ الباش لم يُصب بأيّ أذًى. وهو سليم معافًى». فسُرِّيَ عنّي. وأخبرت المونسنيور مارون والأستاذ غسطين بما سمعته من عاملة الهاتف. ورغبتُ إليهما في استكمال عملنا. ولكنّ حدْس الأستاذ غسطين جعل لونه مُمتَقِعًا. فقال: «إنّني غير مرتاح للوضع. أقترحُ رفع الجلسة. وسأذهب فورًا إلى بيت الأشرفيّة لأستطلع الخبر». وافقنا، المونسنيور مارون وأنا، واتّفقنا أن نلتقي في اليوم التالي لاستكمال المهمّة.
تركني رفيقا الإجتماع. وتركتُ بدوري مكتبي، وانتقلتُ إلى مكان آخر حيث التقَيتُ مَن أعلمني بالحقيقة المُرّة.
وفي ساعة متأخرّة من الليل عدت إلى منزلي في النيو – جديدة. كان أهلي وأفراد عائلتي والجيران وأصدقاء لي في جَو مجلس عزاء على اغتيال بشير.
حضرتُ الجنازة في بكفيا. وفيما كنتُ أعزّي الشيخ بيار الجميّل بعد الدفن، إستوقفني للحظات قائلًا: «يا أنطوان، بشير خلّصك». أجبته على الفور: «يا ليته خلّص لبنان!»
ورحتُ أبكي على مستقبل رأيته قادمًا بخطوات سريعة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]