
أرى القاتل يجلس الى ظلمته الدامسة ويكتب… “انا ذاك الشرتوني العميل الصغير، طلب مني العملاء الأكبر مني اغتيال بشير الجميل بحجة عمالته لإسرائيل، فعلتها وفجّرته ورفاقه، أيام قليلة ووجدت نفسي في تابوت أسود لا أنفاس ولا شمس ولا أضواء، حاولت استراق السمع فسمعت صوت بشير الجميل يدوي في الساحات، أقفلت اذناي فسمعت صوته يصرخ في وجهي، غرقت في ترابي فتسلل صوته الجهوري المدوي الى عروقي يعلن لي موتي الدامي وحياته المتجددة. اردت أن أقتله من جديد فما استطعت، رأيت وجهه آلاف الوجوه، كلماته تناثرت على حائط الجريمة بدل دمائه، ماذا فعلت بنفسي، اردت قتله فقتلني”.
اعترف يا قاتل وانت تعيش في قبرك حياً، وكل لبناني حر شريف في هذه الأرض، ينتظر لحظة التفاف مشنقة العدالة حول عنقك، اعترف بهزيمتك، قل انك لما اغتلته نبت في وجهك القبيح الاف الوجوه للبشير، وانو لـ راح ما راح.
اغتالوه فعاش وماتوا هم، أي مفارقة هذه؟! قتلوه فعاش الشهيد ومات المجرم وهو بعد حي. لم نخرج بعد من تلك اللحظة المدوية. اربعون عاما مضت ونحن لا نزال عالقون هناك على حيطان بيت الكتائب، عند حفافي ذاك الأيلول الأسود، عندما تحولت دماؤه الى أيقونة مقاومة. لا تزال دماؤه الحمراء، خضراء تنبت وتزهر فينا كل يوم الف بشير، وهذا ليس شعراً، راقبوا مسيرة القوات اللبنانية، قواته، فتعرفون ان شعلة البشير لم تنطفئ لحظة.
14 أيلول 1982 كان عرس الدماء ومأتم وطن، قتلوه فمات وطن وتناثرت اشلاؤه فوق بقايا الـ 10452 كلم2، التي غرقت في يأس اللحظة وكسرت حلم البشير. للحظة انتصروا، قهقه المجرم معلناً النصر الكبير، فرح لرؤية الاشلاء، هم هكذا دائماً يسكرون من دماء الاحرار ومن رائحة الموت، لكن ما ان ارتفع النعش الابيض حتى نهض البشير ودُفن المجرم في وحول عمالته. أي مفارقة تلك أن يتحول شهيد الى بطل حي، والمجرم الى ميت تنعق فوق قبره الغربان.
14 أيلول في يوم عيد ارتفاع الصليب المقدّس، شاء الرب أن يغرز للبنان صليباً كبيراً فوق اكتافه وان يحمل صليبه ويتبعه، فمشينا جلجلة طويلة عمرها الحديث أربعون عاما، وعمرها في الزمن مئات السنين. أربعون عاماً ولم يغب وجه البشير. أربعون عاما من الغياب وبقي الحاضر الأكبر، أربعون عاماً نضال مقاومة حتى الاستشهاد، نموت لنحيا ولتبقى قضية البشير ايقونة نضالنا، فكيف يهللون للنصر؟ أي نصر هذا ظن العملاء انهم حققوه في اغتيال قائد لم يمت بعد على الرغم من رحيله منذ أربعين عاماً، وعندما يسألوننا مين رئيس جمهوريتكم نصرخ “البشير”؟
لكن لحظة، جمهوريتنا غير جمهوريتهم المزرعة تلك، جمهوريتنا النزاهة الكرامة الحدود المنصانة، السيادة الكاملة، العدالة القضاء الكهرباء الطبابة الفنون الانسان، لذلك رئيسنا حتى اللحظة هو البشير وللابد سيبقى كذلك، ولأجل كل تلك الفخامة الاستثنائية في تاريخنا، نقاوم وبكل ما لدينا من قوة وقدرة، نقاوم لنصل الى جمهورية البشير، الجمهورية القوية، الى رئيس يحمل ارث الشهيد، ويحوله الى حقل تنبت فيه مواسم البركة.
في ذكرى ارتفاع الصليب، حمّلنا الرب صليب استشهاد البشير، قرر ان نحمل البشير علامة كرامة من جيل الى جيل، كما تنتقل شعلة الصليب من تلة الى تلة على رؤوس جبالنا، ومن قتلوه بسلاح الجبن، يحملون على جبينهم علامة الذل والمهانة والانكسار مذذاك اليوم وحتى تخلص الدني…
طلع صباح جديد على القاتل اليوم، بصبحك بشير وبصبّح الزغير لـ قتلك واقول له “ايديك المغمّسة بهالعار صاروا رمز لكل ذليل لكل عميل لكل مجرم اعتنق الجريمة ديانة، يقتل ويرفع راسه متباهياً “انا بطل قومي”! اكيد انت “بطل”، لان الذليل لا يستطيع ان يرفع رأسه في وجه الكبار ولا في حضور الكرامة، لأنه يعلم انه سيتحطم، الذليل يرفع رأسه في وجه من يشبهه فقط ومن هم مثله تماما. هو رأسه بالذل والجريمة مغمّس، ونحن مثل البشير نعيش ونستشهد ورأسنا يبقى مرفوعاً لفوق لفوق لـ مطرح لـ بيوقف الزمان، مثل الصليب المرفوع فوق جبالنا، وسيبقى 14 أيلول صليباً مغروزاً في قلوبكم الحاقدة شهب كرامة، نور العز، حكاية بشير لا نهاية لصفحاتها، وكل مقاوم من بيننا، صبايا شباب رجالا نساء واطفالا، هم ألف ألف بشير يا قتلة… وسيبقى حياً فينا يا أموات.
