14 أيلول… إحمل صليبك واتبعني

كتبت “المسيرة” – العدد 1732

14 أيلول… إحمل صليبك واتبعني

“بهذه العلامة ننتصر”

…فقال لهم يسوع: «متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو» (يوحنا 8: 28).. وإن أنا ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع»… تكلم بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: «أيها الآب، قد أتت الساعة. مجِّد إبنك ليمجدك إبنك أيضًا» (يوحنا 17: 1).

في تلك الساعة قصد يسوع الصلب ليغيّر لنا المفهوم البشري للصليب. أمام كل مصيبة أو مرض أو ضيقة أو ألم نقول… هذا صليب. لكن مع يسوع المسيح أصبح الصليب علامة لقوة الله والإنتصار، علامة للفداء والمحبة القصوى، علامة للمسامحة والغفران، علامة تنقية وجسر عبور الى السماء. وهل أعظم وأكبر من الصليب الذي يحمله اللبنانيون علامة لقوة الفداء والإنتصار والمسامحة؟…

فلنحمل صليبنا ونتبع الرب يسوع الى الحياة الأبدية.

من العلامات التي يعتز بها المؤمن المسيحي، الصليب المقدس، ويتجلّى ذلك في حياته اليومية، فنراه يرسم علامة الصليب في كل وقت، في الأفراح والأحزان والآلام. فما هي قصة الصليب المقدس؟

يرتبط عيد رفع الصليب المقدس بذكرى استرجاع خشبة عود الصليب الذي عُلِّق عليه الربّ يسوع المسيح فأصبح رمزاً للفداء والقيامة والمجد. وقد ورد في الأناجيل أن اليهود طلبوا من بيلاطس صلب يسوع، فخرج المسيح حاملاً صليبه إلى الموضع المسمّى الجلجلة. ومن الثابت أن يسوع مات على الصليب، وبعد موته اهتم يوسف الرامي، بإذن من الوالي بيلاطس البنطي، بإنزال جسد المسيح ووضعه في قبره الخاص الجديد. أما الصليب فتمّ طمره في التراب مع الصليبين الآخرين. ولم يجرؤ أحد على البحث عنه أو ذكره بسبب الإضطهاد الذي كان يتعرّض له المسيحيون في القرون الثلاثة الأولى.

عندما وقعت الحرب بين الملك قسطنطين وخصمه مكسانس عام 312 طلب الملك قسطنطين المعونة من إله المسيحيين، فظهر له صليبًا في الجو ومن حوله الكتابة التالية: «بهذه العلامة تنتصر». عندها آمن الملك قسطنطين بالمسيح وأمر برسم الصليب على ترس جنوده وكتب له النصر في الحرب. وفي العام 313 م أصدر مرسوم ميلانو وأقرَّ للمسيحية حق الوجود واعترف بالدين المسيحي.

هذا الظهور للصليب، حثّ والدة الملك قسطنطين القديسة هيلانة على الذهاب إلى القدس بحثاً عن صليب المسيح. وعندما سألت عنه أخبروها بأنه مدفون بالقرب من معبد فينوس الذي أقامه الإمبراطور أدريانوس، فأمرت بحفر المكان وعثرت على ثلاثة صلبان، ولمّا لم تعرف أيًا من هذه الصلبان يعود ليسوع المسيح، إقترح البطريرك مكاريوس أن تضع واحداً تلو الآخر على جثة أحد الموتى الذين كانت تمر جنازتهم في المكان في ذلك الوقت، ففعلت. ووضعت الأول فلم يحصل أي تغيير، ووضعت الصليب الثاني أيضًا لم يتغيّر شيء. وعندما وُضع الصليب الثالث على إمرأة متوفاة، عادت إليها الحياة بأعجوبة باهرة، ثم وضعوه على إمراة مريضة فشُفيت في الحال، عندئذ رفع البطريرك مكاريوس خشبة الصليب ليراها جميع الحاضرين فرتلوا «يا رب ارحم» ودموع الفرح تنهمر من عيونهم، فرفعت القديسة هيلانه الصليب المقدس على جبل الجلجلة وبنت فوقه الكنيسة المعروفة إلى يومنا هذا بكنيسة القيامة.

وتأكيدأ على صحة هذه القصة، لا بد من ذكر قول للقديس يوحنا الذهبي الفم في خطبة ألقاها بين العامين 390 – 395 والتي ذكر فيها أن الفرق بين صليب السيد المسيح والصليبين الآخرين عندما اكتشفتهما الملكة هيلانة كان واضحاً من اللوحة التي كُتبت بأمر من بيلاطس، والتي بقيت معلّقة عليه. ويرى ذلك أيضاً القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو 374 ـ397، ويضيف إلى ذلك أن هيلانة أم قسطنطين هي التي اكتشفت خشبة الصليب المقدس فعلاً.

عام 614 م إجتاح كسرى ملك الفرس أورشليم  وأسر آلاف المسيحيين، وفي مقدمهم البطريرك زكريا، ونقلهم إلى بلاده، وأخذ ذخيرة عود الصليب الكريم غنيمة، وبقيت في حوزته أربعة عشر عامًا.

وفي العام 628 م إستطاع الإمبراطور البيزنطي هرقل الإنتصارعلى الفرس، واشترط إطلاق المسيحيين وإعادة ذخيرة خشبة الصليب المقدس. فوافق الملك سيراوس إبن كسرى الذي كان قد وفى بالشروط وأطلق الأسرى سالمين مع البطريرك زكريا بعد أن قضوا في الأسر 14 عامًا، وسلّم ذخيرة عود الصليب إلى الإمبراطور هرقل وذلك في العام 628. فأتى بها إلى القسطنطينية التي خرجت بكل ما فيها الى استقباله بالمصابيح وتراتيل النصر والإبتهاج.

بعد مرور عام حملها الإمبراطور هرقل إلى أورشليم ليركز عود الصليب في موضعه على جبل الجلجلة. فقام لملاقاته الشعب وعلى رأسهم البطريرك زكريا، فاستقبلوه بأبهى مظاهر الفرح والبهجة والترانيم، وساروا بالمشاعل حتى طريق الجلجلة.

وبحسب رواية الإنجيل، هناك توقف الملك بغتة بقوة خفية ولم يتمكن من أن يخطو خطوة واحدة، فتقدم البطريرك وقال للملك: «إن السيد المسيح مشى هذه الطريق حاملاً صليبه، مكللاً بالشوك، لابساً ثوب السخرية والهوان، وأنت ترتدي أثوابك الأرجوانية وعلى رأسك التاج المرصّع بالجواهر، في حين يُفترض أن تتشبّه بتواضع المسيح». فأصغى الملك إلى كلام البطريرك، وارتدى ثوباً حقيراً ومشى مكشوف الرأس، وتابع المسيرة حافي القدمين حتى الجلجلة حيث رفع عود الصليب المكرّم، وسجد المؤمنون على الأرض وهم يرنمون «لصليبك يا رب نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد». وكان ذلك في 14 أيلول في العام 628 م. فشمل الفرح العالم المسيحي الشرقي وأخذ الناس يتباركون من خشبة الصليب المقدس التي حلَّ عليها سرّ الفداء. وفي العام 631 م نُقلت الذخيرة إلى إورشليم. ومن حينه تحتفل الكنيسة بهذا العيد العظيم: عيد رفع الصليب المقدس كل سنة في 14 أيلول.

 

هناك أيقونتان رُسمتا دلالة على الحدث المقدس:

-الصليب مرفوعاً وعن يمينه ويساره القديسان قسطنطين وهيلانة اللذان سعيا لاسترجاع عود الصليب المكرّم.

أيقونة يرفع فيها البطريرك مكاريوس الصليب، ونجد وراء الصليب وحوله رؤساء الكهنة والكهنة والشعب المقدس لله يحتفل بهذا اليوم العظيم يوم ظهور الصليب المكرّم مرفوعاً لخلاص البشر.

فرح الكنيسة بهذا اليوم هو فرح محبة الله لنا وتعلقنا نحن به. فحينما ترفع نظرك الى خشبة الصليب المعلّقة فوق الأيقونسطاس (حامل الأيقونات الذي يفصل الهيكل عن صحن الكنيسة) أُذكر مقدار الحب الذي أحبنا به الله حتى بذل إبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به. فأينما وُجد الصليب وُجدت المحبة، لأنه هو علامة الحب الذي غلب الموت وقهر الهاوية واستهان بالخزي والعار والألم (القديس يوحنا كرونشتادت).

 

سر الصليب

الصليب هو أقوى حدث في حياة المسيح على الرغم من أنه أضعف موقف من مواقف الرب على الأرض كما يقول الرسول بولس «صُلِبَ من ضعف» (2 كور 13: 4). لذا فإن نظرتنا إلى الصليب اليوم، كقوة محوِّلة، حوّلت الموت إلى حياة، واللعنة إلى بركة، والظلام إلى نور. الصليب بالمفهوم الإنجيلي قوّة حاملة للإنسان وليس ثِقلاً عليه. يحوّل الموت إلى قيامة وحياة أبدية. وبه تموت النفس عن شهواتها فيتحول كل شيء إلى فرح وابتهاج. إن الصليب هو خشبة الحياة المحيية. وهذه الحقيقة انكشفت لجميع الشهداء والقديسين، فأَقبلوا حاملين الصليب بفرح من أجل ما يحمله من سرور وفرح. سرّ الصليب قوّة وُهِبناها لتسكن داخل قلبنا وأجسادنا، لتحوّل كل ما فينا لمجد الله.

سر الصليب هو إنكار الذات وهذا ما نسميه في أدبنا النسك، وما هو النسك، ليس من الضروري أن يذهب إلى البرية ولا أن يتنسك على عامود وهذه كلها طرق في النسك لكن النسك هو إنكار الذات، تفضيل الآخر وهذا هو سر الصليب أن لا أجد ذاتي إلا بإعطائها وليس بأخذها وهذا ما يقوله المسيح من أراد أن يكون لي تلميذاً فلينكر ذاته.

 

عادات وتقاليد في عيد الصليب

إشعال النار على قمم الجبال أو في الساحات العامة، وترجع هذه العادة إلى النار التي أمرت القديسة هيلانه بإشعالها من قمة جبل إلى أخرى لكي توصل خبر عثورها على الصليب لابنها الإمبراطور قسطنطين في القسطنطينية، إذ كانت النار هي الوسيلة الوحيدة للتواصل السريع في ذلك الزمان.

 

شرح أيقونة رفع الصليب

لا تكمن أهمية الصليب في كونه عارضتين خشبيتين بل لأنه يحمل صفة شخصية ملازمة للمسيح يسوع كما يعرّفه الملاك لمريم المجدلية «إني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب» (متى 5:28)، وكما يكرز به بولس الرسول: «نحن نكرز بالمسيح مصلوباً» (1كورنثوس 23:1). وفي تفسير معنى الخشبتين: العمودية هي علاقتنا مع الله والأفقية هي علاقتنا مع الناس.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل