#dfp #adsense

“التيار” يتقلّص بعد أيار وباسيل “ينظّف” البيت الداخلي

حجم الخط

لم يَحْدث في التيار الوطني الحر ما لم يكن متوقَّعاً. لكن المفاجأة أنه حصل قبل أن يخرج رئيس الجمهورية ميشال عون من قصر بعبدا.

كل مسار الأشهر الأخيرة التي سبقت الانتخابات النيابية وما تبعها من ارتداداتٍ كان ينبئ بالوصول إلى هذا الواقع الذي كان يتوقّعه حلفاء رئيس التيار الحر جبران باسيل وخصومه، بعد أن يصبح عون رئيساً سابقا للجمهورية. لكن أحداً لم يستشرف أن الافتراق الحاد بين رموز التيار ورئيسه سيكون سريعاً وحتى قبل 31 تشرين الأول.

والأكيد أن 13 تشرين الأول المقبل (ذكرى الإطاحة بعون في 1990 بعملية عسكرية شارك فيها الجيش السوري ونُفي على أثرها الى فرنسا) والاحتفال المركزي فيه على عادة التيار كل سنة، سيكون هذه المرة مغايراً بطبيعته وحضوره.

فباسيل الذي يحضّر أرضية التحرّك على الأرض، كان واضحاً منذ أن أعدّ العدة للائحة المرشحين للانتخابات التشريعية، أنه يريد حصة باسيلية وليس حصة عونية في المجلس النيابي. ومع ذلك حاول إرضاء رئيس الجمهورية بالإتيان بمرشحيه في جزين والمتن أي أمل أبو زيد وإدي معلوف لكن الاثنين سقطا. الأول تقول الرواية العونية إن النائب السابق زياد أسود (تم فصْله أخيراً من التيار) أسقطه وأسقط نفسه، بعدما حاول باسيل إبعاد أسود عن لائحة المرشحين لكنه نجح في كل مراحل الانتخابات التمهيدية. إلا أن أسود عرف أن لعبة الأصوات التفضيلية ستصبّ لدى أبو زيد فأسقط نفسه وغريمه، وشنّ حملة صارت في عهدة القضاء حول شركة أبو زيد للتحويلات المالية وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

وفي المتن الرواية نفسها، إذ أدرك النائبان الياس بو صعب وابراهيم كنعان أن الأصوات التفضيلية ستصبّ لدى إدي معلوف، فعملا كلٌّ من ناحيته على الفوز منفرداً، فنجحا وسقط معلوف. لكن آثار الانتخابات لم تمرّ على خير. حاول باسيل تكرار الأمر نفسه بعدم ترشيح بو صعب لنيابة رئاسة مجلس النواب، لكنه قرر الترشح وفاز بها، وكانت قبلة التهنئة الأولى من رئيس التيار.

لكن كنعان لن ينام على ضيم. المتنيون يتحدثون عن أن كنعان أصبح خارج دائرة التأييد لباسيل منذ مدة غير قصيرة وأنه يرفض تفرُّد باسيل في قرار الترشح لرئاسة الجمهورية وخصوصاً أن رئيس التيار الحر وكما فعل في اختيار لائحة مرشّحين للنيابة يضمن ولاءهم بعد خروج عون من القصر، بدأ يطرح أسماء مرشحين يزكيهم للتسوية الرئاسية من دائرة المقرّبين منه. وهي لا تشمل حكماً كنعان الذي يَعتبر أنه نجح في المهمات التي أوكلت إليه في المجلس النيابي، كرئيس للجنة المال، بعد مساهمته في المصالحة المسيحية مع حزب القوات اللبنانية التي لا يتحمّل مسؤولية انفراطها.

وفي حين كانت التوقّعات تسير في اتجاه معاقبة أسود، ودرْس التوقيت المناسب، فإن ما جرى مع الوزير والنائب السابق ماريو عون (تم فصْله مع أسود وسط تقارير عن اتجاه لمحاكمةٍ حزبية للنائب السابق حكمت ديب الذي استُبعد عن الانتخابات) يمكن اختصارُه بإبعاد باسيل كلّ خصومه.

وماريو عون كان نقيباً سابقاً للأطباء ومن قدامى مؤيدي التيار ومدافعاً شرساً عن عهد عون، وهو شن حملات عدة ضد الذين “يحاولون إفشال العهد”. ومثله مثل أسود هو من قياديي “الوطني الحر” القديمين البارزين والذي خاض أشرس المعارك الكلامية ضد تيار المستقبل وضد رئيس مجلس النواب نبيه بري و”القوات”.

الوزير السابق أُبعد عن الانتخابات النيابية، وكرّت سبحة الخلافات مع باسيل. مشكلة ماريو عون ورفاق له، أنهم كانوا دائماً يعوّلون على تدخّل الرئيس عون الى جانبهم. لكن ما حصل أن رئيس الجمهورية لا ينظر إلى الخلافات المتعاظمة سوى من باب الافتراء على باسيل، وسبق أن ردّد مراراً أنه هو الذي أنشأ التيار ومَن يريد الانقلاب عليه فليتركه.

ومفارقةُ ما حصل أن النائب آلان عون، وهو ابن شقيقة رئيس الجمهورية، عبّر عن رفضه لِما حصل مع أسود، بعد التسريبات الأولى التي حصلت حول فصْله من التيار وتَبَيَّن صحتها. لكن باسيل لا يمكن أن يخوض مواجهة مع آلان عون رغم العتاب بينهما، وهو الذي سبق أن ترشح مرة ضد باسيل لرئاسة التيار وانسحب بناء على تسوية داخلية.

فآلان عون أثبت خلال المراحل السابقة أنه يحافظ على مسافة من باسيل، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على علاقته مع قدامى “الوطني الحر” وخصوم باسيل من نواب حاليين. وقد أسس لنفسه قاعدة شعبية في دائرته لا يمكن للتيار وباسيل أن يتخطاها او يجد بديلاً عنها. إضافة الى أن عامل القربى مع رئيس الجمهورية لا يزال يشكل حصانة للنائب العوني، بخلاف ما حصل مع العميد والنائب السابق شامل روكز وابنة رئيس الجمهورية ميراي عون التي أبعدها باسيل كذلك عن دائرة القرار في بعبدا والتيار على السواء.

لا يراهن الوسط العوني المُعارِض على انتفاضةٍ واسعة في القاعدة ضد باسيل، لأن جميع الذي يدورون في فلكه لا يزالون يدينون له بوصولهم إلى مواقعهم النيابية والوزارية. لكن حلقة النواب من الحرس القديم تحاول في المقابل تفعيل دورها وخصوصاً أن لها قواعد شعبية تستند إليها في مواجهة ما يسمونه الطارئين على الحالة العونية والطامحين للعبور إلى مناصب من خلالها.

في المقابل يحاول باسيل “تنظيف” البيت الداخلي من خصومه، على الرغم من أن التوقيت دقيق وهو الذي يواجه معركة رئاسة الجمهورية والحكومة، وفي هذا الأمر مغامرة كبيرة في توسيع دائرة أعدائه وخصوماته. إلا أنه يتصرّف على أنه يحسبها بدقّة، مستنداً قبل خروج عون من قصر بعبدا إلى غطاء شرعي يؤمّنه له حضور رئيس الجمهورية، وساعياً لأن تكون له وحده الكلمة الأولى والأخيرة في التيار. وهو بذلك يوجّه رسالة إلى خصومه حول عدم الرهان على التشتّت واستمرارية موقعه الثابت في معادلة التيار والإمساك به في لحظةٍ دقيقة.

وتبقى العِبرة في أمرين: الأول موقف النواب المُعارِضين لباسيل كعون وكنعان وسيمون ابي رميا، علماً أنه تتردّد في الوسط العوني أسماء أخرى لنواب معارضين في انتظار اللحظة المناسبة لكشف اعتراضاتهم. والثاني قدرة باسيل على جمع تكتل لبنان القوي بعد سلسلة مشاحنات داخلية، جعلتْه غائباً عن الواجهة ومكتفياً بإصدار بياناته بعد اجتماعات “الوطني الحر” وإطلالاته عبر محطات وفيديوهات تروّج لسياسته.​

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل