شربل قسيس لدين براون: سنركب رؤوسنا ونبقى في هذه البلاد

كتب الدكتور نبيل خليفة في “المسيرة” – العدد 1732

شربل قسيس لدين براون:

سنركب رؤوسنا ونبقى في هذه البلاد

في كتابه «خمسون سنة في خدمة الكلمة، شخصيات قدمتها… ومناسبات شاركت فيها» للدكتور نبيل خليفة، فصل يروي في سطوره تفاصيل لقاء الأباتي شربل قسيس والمبعوث الأميركي دين براون ونظرته حول الدور الأميركي من الوجود المسيحي في لبنان والشرق الأوسط. ماذا كتب خليفة عن هذا اللقاء؟

كيف ينظر الأباتي شربل قسيس الى مخطط كيسنجر والسياسة الأميركية تجاه لبنان ومهمة دين براون مبعوث كيسنجر الى لبنان خلال حرب السنتين، باعتبارها أمورًا عايشها عن قرب وعن كثب؟!

في اعتقادي، يقول الأباتي قسيس، إن السياسة الأميركية قامت في هذه المنطقة على فرضيتين:

الأولى: فرضية المجموعات (Grandes Ensembles) وهي المجموعات التي يتزعّمها قائد جماهيري يقول نعم أو لا بإسم العرب، فتسير الشعوب والأنظمة خلفه. فإذا اقتنع، أقنع العرب… وهذه هي تجربة عبد الناصر التي سرعان ما اكتشف الأميركيون أنها غير ممكنة أو غير ناجحة (في ما يريدونه منها ولها)! وخصوصًا من حيث العلاقة مع إسرائيل.

الثانية: فرضية المجموعات الصغرى (Petits Ensembles) أو الدويلات القائمة على عنصرين أساسيين في كل مجتمع:  العرق والدين. وعند الشرقيين، الدين يتقدم على العرق. وأمام هذه الفرضية يمكن إصابة عصفورين بحجر واحد: تفتيت العرب والعروبة، التلاعب بتعدد الدويلات واستثمار تناقضاتها للوصول الى الهدف المقصود، ألا وهو تبرير وجود إسرائيل. وفي كل الأحوال والظروف، تهدف السياسة الأميركية في المنطقة للمحافظة على أمرين: صداقة دول الخليج حيث ينبوع الطاقة، والحفاظ على إسرائيل كقلعة عسكرية متقدمة للغرب.

يضيف الأباتي قسيس: «السياسة الأميركية بالنسبة للصراع العربي ـ الإسرائيلي لم توضع خدمة لإسرائيل وحسب، أو تبريرًا لها. فالأميركيون يتمسكون ببقاء إسرائيل، كما يتمسكون بصداقة العرب في نفس الوقت.

إن الإشكالية التي تنطلق منها السياسة الأميركية (سياسة كيسنجر) بالنسبة الى شرقي المتوسط، تتمثل في وجود خمسة شعوب وأربع دول. خلاصة القول هناك شعب زائد بحاجة الى أرض. الدول هي إسرائيل وسوريا ولبنان والأردن، يُضاف الى شعوب هذه الدول الشعب الفلسطيني. فما هي الإحتمالات الممكنة لحل مشكلة «الشعب الخامس»؟

الإحتمال الأول: تهجير الأقلية المسيحية من لبنان، وبالتالي تغيير النظام فيه وتحويله من بلد ذي وجه مسيحي الى بلد ذي طابع إسلامي، مما يساهم في تسهيل دمج الشعب الخامس أي الشعب الفلسطيني فيه، ودمج كيانه السياسي بكيانات إقليمية أوسع (سورية أو مشرقية)، مما يعني شطبه عن خارطة المنطقة.

الإحتمال الثاني: خلق الدويلات الدينية ومنها «حشر» المسيحيين في دولة لبنان الصغير وتوطين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان، والذين يحتمل تهجيرهم حديثاً إليه من الضفة والقطاع في القسم الباقي.

يؤكد الأباتي قسيس أنه ما دامت مشكلة الشعب الخامس غير محلولة حتى اليوم، فلا يفكرنّ أحد بحل قضية لبنان. ويُقرن كلامه بأمثلة عن إتفاقيات ومسلّمات ووثائق منها: الوثيقة الدستورية ومسلّمات الرئيس سركيس الأربعة عشر التي وافق عليها 65 نائبًا، مرورًا باتفاق لوزان وبكفيا والإتفاق الثلاثي، وصولاً الى إتفاق الطائف… جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، لماذا؟ لأن طبخة الشعب الخامس لم تنضج بعد. وبانتظار ذلك، فإن كل الحلول المطروحة لن يُكتب لها النجاح».

وتعليقا على ذلك يقول الدكتور خليفة: «وهنا يحمّل الأباتي قسيس الولايات المتحدة الأميركية جزءًا كبيرًا من مسؤولية عدم الوصول الى حل في المسألة اللبنانية».

وفي ما يلي محضر لحوار دار باللغة الفرنسية بين الأباتي قسيس والمبعوث الأميركي دين براون خلال إنعقاد المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية واستمر يومين. والحوار ليس بحاجة الى تعليق!!

قال دين براون: «أنتم مجانين. إنكم تخوضون حربًا إنتحارية. إنكم تقودون شعبكم الى الكارثة. ليس لكم الحق في ذلك. هذه البلاد ليست بلادكم. إنكم مجانين».

«Vous êtes des fous. Vous menez une guerre suicide. Vous menez votre peuple au catastrophe. Vous n’avez pas le droit de le faire. Ce pays n’est pas le vôtre. Vous êtes des fous».

وبعدما أنهى كلامه أجابه الأباتي قسيس بهدوئه المعتاد: «كديبلوماسي، أنت عصبي وكثير الشفافية. ولكنك تحاول أن تتستّر عما تريد قوله من دون أن تقدر على ذلك. لو كنت في موقعك، لقلت لهؤلاء الآباء العامين الذين يمثلون الجماعة المسيحية: إن أقل مسيحي لديه ما يقارب الـ200 شخص من أقارب وأصدقاء في الولايات المتحدة وهم على إستعداد لاستقباله والترحيب به. فلماذا تركبون رؤوسكم للبقاء في هذه المنطقة وهي ليست لكم على حد قولك؟».

«Pour un diplomate vous êtes impulsive et très transpatent. Mais vous essayez de vous camoufler sans le pouvoir. Moi à votre place. j’aurais dit à ces pères Généraux qui représentent la Communauté Chrétienne: Le dernier des Chrétiens Libanais a en Amerique au moins deux cent de proches-parent, et ils sont tous prêts à vous recevoir à bras-ouverts. Pourquoi vous vous entêtez à rester dans cette region qui n’est pas la vôtre, comme vous le dites)».

عندها ضرب دين براون يده على الطاولة وقال بحماسة: «هذا هو بالضبط ما كنت أود أن أقوله لكم!».

«C’est précisément c’est ce que je voulais vous dire»!!

ردّ فعل براون كشف المستور. فهو جاء ليقول لنا كمسيحيين وبشكل غير مباشر «قوموا فلّوا فهذه البلاد ليست بلادكم». وهنا يقول الأباتي قسيس «قطعت على براون حماسته وقلت له بلهجة صارمة وواثقة ومتحدية: «إذاً يا سعادة السفير سنقول لكم العكس تمامًا. إننا سنركب رؤوسنا ونبقى في هذه البلاد لقناعات أربع:

«Eh bien, Excellence, nous allons vous dire le contraire. Nous nous entêtons à rester dans ce pays par convictions».

-القناعة الأولى: إننا ما زلنا في هذه المنطقة من العالم، من المتوسط حتى الشرق الأقصى، موطئ القدم الوحيد للمسيحية في الشرق. ليس بمعنى أن بلدنا لبنان هو وطن قومي مسيحي. ولكنه الوطن الوحيد الذي لا يزال له وفيه وجه مسيحي. نحن ضرورة كنسية في هذه المنطقة. ولست أعرف إذا كنت بروتستنتيًا أو كاثوليكيًا. ولكنني أعرف جيدًا أن وجودنا هنا هو ضرورة كنسية. نحن ضرورة كنسية مسيحية في هذا الشرق ولن نتنازل عنها. قدرنا أن نشهد لهذا الدين في هذه البلاد التي لم يبقَ سواها ذا وجه مسيحي.

«Nous sommes une nécessité ecclésiale dans cette region. Je ne sais pas si vous êtes protestant ou catholique. Mais je sais bien que notre existence ici est une nécessité ecclésiale».

-القناعة الثانية: لدينا القناعة بأننا في هذه المنطقة التي حدثتك عنها، الممثلون الثقافيون الوحيدون للحضارة المسيحو ـ غربية. من هنا نحن ضرورة ثقافية تتخطى نظرتكم إلينا. لماذا؟

لأنه في هذه المنطقة تلتقي أكبر ديانتين المسيحية والإسلامية وتتفاعلان بما يمكّنهما من خلق حضارة ثالثة هي وليدة هاتين الديانتين. وقناعتنا تنبع من أننا، على إمتداد الشرق، نمثل لقاء هاتين الديانتين.

«Nous avons la conviction que nous restons dans cette region, dont je viens de vous parler. Les seuls représentants culturels de la civilisation chrétieno-occidentale. D’où. Nous sommes une nécessité culturelle. Cette nécessité culturelle dépasse de beaucoup ce que vous pensez. Pourquoi»?

-القناعة الثالثة: نحن أيضا ضرورة سياسية في هذه المنطقة لأننا نكاد نكون وحدنا ـ وربما نكون وحدنا ـ من يؤمن بالقيم الذي تدّعونها أنتم كمثل الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان، والدليل أننا الوحيدون في هذا الشرق الذين نتمسك بالديمقراطية ولا نعرف طريقا للنظام التوتاليتاري أو الديكتاتوري. وهذه القناعة تجعلنا نتمسك أكثر بخيار المخاطرة بحياتنا للبقاء في هذا الوطن.

أما السبب الرابع سيد براون، وأشدد على ذلك، فليست قناعة لدينا ولكن شفقة عليكم. إذ يعزّ علينا أن تقف بلادكم خجولة أمام التاريخ… وهي تشاهد لا بل تساهم في مخطط تهجير المسيحيين اللبنانيين! من جهتها… بإصرارنا على البقاء هنا… «نريد أن نوفّر عليكم العار الناتج عن زوالنا (على يدكم) بعد سبعة عشر قرناً من المقاومة في سبيل الحرية… في حين تضطلع بلادكم بزعامة العالم الحرّ».

«Nous voulon vous épargner la honte de disparaître après dix sept siécles de résistance pour la liberté, alors que vous avez le leadership du monde libre»!

من كتاب «خمسون سنة في خدمة الكلمة… شخصيات قدمتها ومناسبات شاركت فيها».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل