يرافق مصطلح “الذل” الحياة اليومية اللبنانية، هذا إذا كان لنا الحق بتسميتها “حياة”. ففي ظلّ أزمة اقتصادية صنّفها البنك الدولي على أنها إحدى أكبر الأزمات في التاريخ، وما يرافقها من تدهور على الصعيدين النفسي والاجتماعي، أصبحت حياة اللبنانيين أشبه بمعارك يوميّة لا تنتهي. فالصراع من أجل تأمين القوت والمستلزمات بات تحت عنوان “كل مين ياخد حقو بإيدو”، من البنوك والمستشفيات والصيدليات، إلى عمليات السلب والتشليح. وآخر المشاهد، ما حصل في “بلوم بنك” فرع السوديكو، إذ اقتحمت المودعة سالي حافظ البنك، محتجزة الموظفين إلى حين تسليمها مبلغ من وديعتها لعلاج أختها المصابة بالسرطان. أمام هذه الحوادث المتكررة والمتنقلة، ماذا يقول علم النفس عما آل إليه وضع اللبنانيين؟
أخصائية علم النفس ماري تيريز كميد، تشير إلى أن “السبب الأساسي لهذه المشاهد يكمن في تراكم غضب اللبنانيين وعدم تحملهم الأوضاع، ووصلوا إلى حدّ اللاوعي والإدراك لعواقب أفعالهم وبات الهمّ الوحيد هو تحصيل مطلبهم”.
وتوضح كميد، خلال حديث عبر موقع “القوات اللبنانية”، أنه “لا يمكننا تصنيف هؤلاء الأشخاص في خانة الانتحاريين، إذ انهم وصلوا إلى مرحلة لم يعد باستطاعتهم إيجاد أي مصدر للدخل وبالتالي سيقومون بأي خطوة ليحصّلوا مطالبهم”.
وتضيف، أن “الجوّ اللبناني العام يسيطر عليه الغضب والضغط والعصبية المفرطة والدراسات العالمية أثبتت أن لبنان من أتعب البلدان، لهذا السبب يمكننا تفسير ما فعلته سالي وغيرها من الأشخاص المعلن وغير المعلن عنهم أنه وسيلة ضغط غير واعية لكن في الوقت عينه لا تؤدي إلى عملية قتل أو انتحار في أغلب الأحيان، إذ إن عملية الانتحار لها أبعاد مختلفة ولا تكون علنية عامةً وفي الأساس إن عملية الضغط في الأساس هي نتيجة الخوف من الموت إذ إن معظم الذين يقتحمون البنوك والمستشفيات والصيدليات لديهم أشخاص حياتهم مهددة بالموت، لذلك يلجؤون إلى التهديد والحجز”.
وتقول كميد إن “معاناة الأولاد في هذه الأجواء كبيرة، إذ سينمو معهم الغضب وسينتج عنه التمرد على أهلهم الذين يحسبون كل يوم بيومه، وعلى ما يسمعه عن دولتهم ومشاكلهم. ونشهد على حياة المراهقين الذين يُعبّرون عن هذه المشاكل بالانحراف نحو الكحول والمخدرات والتمرد أيضاً”.
وتستشهد بكتاب “التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي، قائلة، إن “الإنسان في هذا المشهد يلعب دور القوي المعتدي ويُسقط كل ضعفه وعجزه على الضحايا الأضعف منه، واحتجاز موظفي البنوك دليل قاطع على ذلك، فعند استحصال المودع أمواله يستخدم القوة المفرطة ضد من يشاركه الأوضاع نفسها، إذ إن الموظف ليس مسؤولاً سياسياً أو مسؤول عن الأزمة التي نعيشها، فلا شكّ بأن القهر حوّله إلى معتدي من الممكن أن يرتكب جريمة بحال عدم تسليمه أمواله”.
وتردف أن “هدف أغلبية من يقتحمون البنوك عدم الاستعانة أو شحذ استعطاف الإعلام وغيره، لأن لا أحد يستطيع المساعدة أساساً، فبدأ اللبناني يلجأ إلى حلول تستوعب مأساته بمحاولة السيطرة، لأنه لم يعد قادراً على استيعاب الكارثة الاقتصادية والمصرفية التي حلّت ببلده لو مهما حاول أهل المسؤولية تبشيره أن الدنيا بألف خير”.
وتحذّر كميد من “فلتان الملَءْ” ويُصبح الوضح أسوأ في عدم السيطرة على وجع الناس.
