.jpg)
لم تكن عبارة “الطلاق” بعيدة عن الحديث المتلاطم، وعلى الأقل غير المتماسك، الذي أدلى به أخيراً الأمين العام ل”حزب اللّه” حسن نصراللّه، ولو لم يقُل هذه العبارة بلفظها الصريح.
فمدلولها السياسي كان حاضراً في قوله الفجّ لخصومه: “نشكر اللّه لأننا لا نشبهكم”!
إضافةً إلى ادّعائه ثقافة الحياة في وجه ثقافة الموت عندهم!
ولم يكن اختياره حدثَين فقط من تاريخ الحروب اللبنانية، صبرا وشاتيلا 1982 والغبيري 1993، سوى محاولة لإسقاط الماضي على الحاضر، والتهديد بالفراق أو الطلاق مع الذين يتهمهم اليوم زوراً بمجازر لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد، خصوصاً أنه تحالف سياسياً و” ممانعاتياً” مع المتهمين بارتكابها، ومعظمهم بات في دنيا الحق.
فضلاً عن إغفاله المجازر التي ولَغ في دمائها من حروب “أهل البيت” في الضاحية وإقليم التفاح، إلى الاغتيالات التي أدين رسمياً بها، إلى ضحايا الغزوات الداخلية التي شنها في بيروت والجبل، والخارجية من سوريا إلى اليمن وما بينهما وبعدهما وأبعد منهما.
والأكيد أن تلويحه بالطلاق مع من لا يشبهه لم يكن في استراتيجيته السابقة القاضية بإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية – فرع لبنان، لأن مشروعه الفعلي كان، ولم يزل ولو بشكل مضمر، إخضاع المكونات اللبنانية لسطوة سلاحه وأولوية قراره.
لكنّ الممانعة اللبنانية الفعلية لهذا المشروع، وكانت نتائج الانتخابات النيابية أحد تجلياتها، فرضت عليه تغييراً في التكتيك، بما جعله يتجرّع كأس سمً الخسارة، تقليداً لمرجعيته الأولى آية اللّه الخميني في الحرب على العراق.
وليس تضمينه خطابَه السياسي الأخير فكرة الطلاق سوى تعبير عن هذه الخسارة، بعدما تأكد من فشله في تنفيذ مشروعه على امتداد لبنان عبر أدواته في البيئات المسيحية والسنّية والدرزية.
والواضح أن إشارته إلى الطلاق لم تكن بنت لحظتها السياسية، بل نتيجة تراكم إخفاقات وخيبات داخلية في السياسة والميدان معاً، وثمرة إرهاصات تبدّل في السياسة الإقليمية وموازين القوى.
ولطالما كتبنا وشرحنا، خلال السنوات الثلاث الفائتة، عن مؤشرات سقوط عهد “الشيعوية السياسية العسكرية”، وها نحن اليوم نعاين بعض ظواهر هذا السقوط.
ف” حزب اللّه” دخل الآن في مرحلة ترميم أو تعويم ما تبقّى من حطام نفوذه، وهو يستميت لإنعاش حكومته الأخيرة، ولم يعد يملك ترف التحكّم في الاستحقاق الرئاسي إلّا من باب فتحه على الفراغ.
قبل سنوات ستّ أتى برئيس ل”عهده”، الأمر الذي يستحيل عليه تكراره، لا بالمواصفات ولا بالأسماء، مع أنه رمى ورقته الصفراء الأخيرة بدعوته إلى انتخاب رئيس يتمتع ب”أوسع تمثيل شعبي”، مع ما يكتنف هذه العبارة من التباس لمصلحة الذين يهددهم بالطلاق، أي القوات اللبنانية ومعها سائر الأحزاب والقوى والفاعليات السيادية التي أثبتت في الانتخابات أنها “الأوسع تمثيلاً”!
في الحقيقة، لم يقدّم حديث نصراللّه الأخير سوى مؤشر ارتباك وتناقض، سواء في ابتلاعه مهلة أيلول للترسيم أو الحرب، أو في تفتيشه عن ترقيع سياسي ما في الحكومة والرئاسة.
وإذا فشل في الترقيع، فلا يبقى أمامه سوى ما لوّح به: الطلاق!