قم إحمل وطنك وامشِ

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1732

هم المُمتلئون حتّى زِبدَةِ الخَلِّ والمُرِّ مِن نبوءةِ رؤيا آشعيا عن «رَجُلِ الأوجاعِ المضروبِ بالعاهاتِ، مَن صار جُرحًا مِن أعلى الرأس حتى أَخمصِ القدمينِ لأجل معاصينا الذي بِشدخِه شُفينا» !

يا لَغرابةِ النبوءةِ وغرائبِ الرؤيا كيفَ لشعوبٍ وإنسانيَّةٍ وأُمَمٍ وأوطانٍ ورعايا وقضايا لا تشفيها إلاَّ قِلَّةٌ نادرةٌ دَفَعَت أجسادها لتسلكَ دروب الآلام والأوجاعِ بَدَل الأفراحِ والمَسرَّات، حيثُ تواريخُ الخلاصِ بأسرِها لا تُكتَبُ وتُدوَّنُ وتؤَرَّخُ إلاَّ بِحبرٍ قانٍ تخطُّه المسامير!

كان الوطنُ الضيِّقُ الجغرافيا الرَّحيبُ التاريخ مقبوضًا عليهِ كغنيمةِ غزوةٍ، مبتوتًا بأمره ومصيرِه كجائزةِ ترضيَّةٍ، ومُساقًا كرهينةٍ لا حَولَ لها ولا شفيع، إلى محكمةٍ أشبه بمَعهرةٍ أُممَيّةٍ يُفجِّرُ فيها ويفحش أباطرةُ الدولِ المُسمّاةِ بالعُظمى والكُبرى إقتسامًا لثيابِ الكيان اللبنانيِّ الذبيح واقتراعًا على بيارقِه وأعلامِه وحضارتِه حلاً لمُشكلة قبائل الكوفياتِ المُرقَّطة مَن باعوا ديارهم لأحفادِ يشوع بن نون العائدين من كُلِّ شُتاتٍ ليستلبوا أرض الوعد والميعاد والهيكل وحائط المبكى، فهجَّ اللاجئون إلى أرضنا بعدَ أن هجَّتِ الرؤية الوطنيةِ الخلاَّقةِ من عقول ونفوس وأخلاقِ حُكّامه فنمت الخِيمُ وتطوّرت إلى مُخيّماتٍ ثمَّ معسكراتٍ ثمّ دويلة «فتح لاند» وكان الذي كان منذ 13 نيسان 1975، وما زالت حتى الساعة تلك البوسطة التي حاولت اجتياح لبنان من عين الرمانة تتناسلُ وتتكاثرُ ولا مَن يردعُ اجتياحاتِها إلاَّ تلك القلَّةُ المنذورةُ للقهرِ والصَّلبِ والمُجالدةِ المُثابِرَةِ على حَملِ خطايا العالم وبلايا حُكّامٍ رسبوا في كلِّ امتحاناتِ القِيَمِ الوطنيةِ وتفوَّقوا وأبدعوا في نتائج الخساسة والدناءة والهزالة!

كان الكيانُ يقتربُ بسرعةٍ إلى هاويةِ الزوال والمصير من خطِّ الزلزال وأهلُنا متروكون لأقدارهم وأكدارهم يواجهون باللحم الحَيَّ والنَّفَسِ الوقّادِ ما تعجزُ عنه أدقُّ الحساباتِ العسكريّةِ والخِطَطِ الاستراتيجيَّةِ، فنهضَ مِن بينهِم فتيانٌ نَدُرَ مَن كان بإقدامهم وبسالتهم وقَلَّت في أمثالهم الرجالُ، مِن حميمِ بيوتِ أهلهم وعائلاتهم ومراتعَ صباهم نهضوا .من زهوة الشباب ومشاوير الأفراح ومرابعَ الليالي المِلاحِ نهضوا. من حقوقِ بناء المستقبل وتشييدِ بُنى الأعمال والمؤسّساتِ وتحسين نَسلِ الثرواتِ نهضوا، تناديهم بيوت الأهلِ ومقادسُ أرض الآباء والأجداد، نهضوا نُخبَةً مِن أعَزِّ نُخباتِ الفداء وبذلِ الذات وساروا من دون وجفةِ خوفٍ ولمحةِ ندامةٍ إلى الصَّلبِ العظيم!

مَن بقيَ مِن أهل الوفاء وأيفاءِ الذِّمَم يُعرِّف عنهم بأنَّهم الشهداء الأحياء  المُنتقلينَ من جبهاتِ البطولاتِ إلى جبهاتِ الكراسي المتحرّكة حيثُ تَتِمُّ عمليات التَّسلُّمِ والتسليم بين جسدٍ قد كان كاملَ الأوصافِ والمواصفاتِ وبين جسدٍ أقدمَ إقدامًا إعجازيًا على عمليّةِ وهبِ أعضاء لشعبٍ كاملٍ ووطنٍ بأسرِه بينما السَّماء والأرضُ تدمعانِ وتتهدَّجانِ وتشدوانِ: «ما مِن حُبٍّ أعظمَ مِن أن يبذُلَ المُحبّون أنفسَهم عن أحبّائهم»!

* أنتَ أيها الحبيبُ الذِّخرُ والذخيرةُ الآتي من جبهةِ رجولتِكَ وبأسَكَ وبسالتِكَ إلى كُرسيِّكَ المُتحرِّق، فألفُ حاشى لهذا الكرسيِّ أن يحملَكَ أشَلاً مُخلَّعًا، هوّ عرشُكَ المُدَولَب تعتليه وقامتُكَ قامةُ وطنٍ لا يتخلَّع ولا يَتشَلَّل!

• أنتَ الحبيبُ مهجةُ القلبِ وبهجةُ العين المُصاب البَصرِ الرائي برصاصةٍ أو شظيَّةٍ، إنَّ الأعمى فينا والضَّريرَ هو مَن لا يرى شمسُ الربِّ تُصلّي صلاة النور والضِّياء داخل مِعبَدِ عينيَك!

• أنتَ أيها الحبيبُ السِّفرُ والآيةُ والمُعجزة أيُّ روحٍ قدوسٍ يُعطينا إنعامات مواهبِه السبعة لنقرأ أسفار كراماتنا على لَحمِ يدِكَ المقطوعةِ وخَتمِ قدمكَ المبتورة نرسمُهما في البالِ والوجدانِ أيقونةً لبنانيَّةً تؤهِّهلنا وترفعنا إلى مستوى ذبيحة قداس عيد قطع رأس يوحنا المعمدان الشفيعُ الأبديُّ للمجابهين كلِّ هيرودسٍ على وجه هذه الأرض!

مبنى جهاز الشهداء والمُصابين والأسرى هو بيتُ بيوتِ شهدائنا الأحياء الذي لا مثيل في بيوت الدنيا ولا شبيه له إلاَّ بيوتُ القرابين فوق المذابح. إلى هذا البيتِ الرسوليِّ جاءهم زائرًا رسوليًا راهب رهبان الأساكيم الزيتيَّةِ الأب يعقوب بدوي اليشوعي آتيًا إليهم من مكسيك عذراء غوادالوبي حيث انتقلت معه عذراء إيليج أيقونة أُمَّةِ الحاملين إيمانهم على أَكُفِّهِم مُضرَّجًا بدمائهم وأمِّ الشهداء الحنونة وسيِّدتهم البهيّة وسلطانتهم الوحيدة!

يعقوب بدوي اليشوعيِّ الراهبُ الأخ والشقيق للراهب اسكندر الترتجاني أول شهداء الرهبانية اللبنانية المارونية وللرهبان الشهداء من دير سيدة مشموشة إلى دير مار يوحنا قبَّيع، إلى دير مار جرجس عشاش، إلى دير مار جرجس دير جنين… جاء زائرًا من أهل البيت يزور مزارات أبناء له في الروح رافقهم من المتاريس إلى القداديس، ومن القداديس الى المتاريس، إلى سلوكهم صعود ملكوت «الآتين من الضِيقِ الشديدِ الغاسلين حُللهم بدم الحمل»، مِن مزارِ خوذةٍ غدرتها رصاصةٌ صلبت رأس بطلٍ وسلبت شبابه، إلى مزارِ بدلةٍ زيتيَّةٍ رشحت دم شهيدها، إلى مزار «رِنجرٍ» داسَ رؤوس أفاعي الإحتلال قبل أن يمزِّقه لغمٌ غدّارٌ، إلى مزارِ دِرعٍ غافلته شظيَّةٌ لولا لابسه لكنّا جميعنا عُراةً، إلى مزار فراشةِ قذيفةٍ أنزلَت بأمعاء الجَسَدِ الغَضِّ الريّان ما أنزلته البلايا في صبرِ أيوب البار!

ثلاث ساعاتٍ مسيحانيَّةِ اللاهوت والناسوت أمضاها اليشوعيُّ داخل مبنى الواهبين أعضاءهم للوطن للكيان للأهلِ للأرض، كان بينهم مُمثِّلاً لرفيق تلميذَي عماوس فصرخوا جميعهم إليه :»إبقَ معنا إبقَ معنا يا يعقوبنا ورسولنا وراهبنا، فقد مال النهار على الوطن وحَلَّ المساء»!

أبونا يعقوب بدوي اليشوعي

يا راهب أديار المتاريس وكاهنَ بيعةِ الجبهات ورئيس كهنة الأبطال والشهداء في زيارتِك لمبنى الشهداء والمصابين والأسرى قد صلَّيتَ من رحيفِ قلبك لقواتِكَ اللبنانية ليُفَكَّ عنها أسرُ أوهامِ هُواةِ دخول التاريخ مُتوهِّمين ومُوهِّمينَ بأنَّ العوسجَ يُثمرُ عنبًا وبأنَّ الصِلَّ العتيق ربيب الأفاعي سيقطرُ شهدًا وعَسَلاً في بؤسِ زَمنِ حروب إلغاء الذّاكرة!

خيي بونا يعقوب

وأنتَ تُغادرُ بيعة المُصابين والأسرى والشهداء غرستَ قلبكَ في قلوبهم وزَرعتَ عينيك في أعماق عيونهم، هؤلاء الجالسون على عروشهم المُدولبة ترفعهم معكَ كلما رفعتَ قرابينك وأنتَ تخاطبُ لأجلهم ملكَ ملوك الفداء: لا فرقَ عندكَ يا سيّدي ولا حَرَجًا إن قامت ذبيحتُكَ على كَسرِ الخُبزِ أو كَسرِ عواميدهم الفِقريَّة!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل