الترسيم “الصاروخي” والرئيس المستعصي!

 

سبق أن أشرنا مرات الى رابطة سببية للكثير من الأحداث والتطورات المفصلية بمواقيت زمنية محدّدة “غريبة” خلال شهري أيلول وتشرين الأول. لا يقف الأمر اليوم فقط عند العد العكسي “التشويقي” لنهاية العهد العوني، وما أدراك ما ستعني هذه النهاية، بل تضعنا غرائب المصادفات أمام زحمة استحقاقات وتحوّلات دفعة واحدة يناطح كل منها الآخر بعظيم أهمّيته ومصيريته.

 

تأخذنا المعطيات المتواترة عن التقدّم “الصاروخي” في ملف ترسيم الحدود البحرية بين #لبنان وإسرائيل، الذي قد يتم فصولاً قبل نهاية ولاية الرئيس ميشال عون، الى مفارقة مذهلة هي إمكان أن يحقق الأميركيون من خلال نجاح وساطتهم اختراقاً استراتيجياً في الشرق الأوسط عبر ملف الترسيم فيما يقبع العالم أمام “رعب” الجنون الذي فجّره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصعيد حربه على أوكرانيا. اعتاد لبنان عكس هذه المعادلات، وما دمنا نطل على أواخر أيلول ومطالع تشرين نستذكر حتماً زمن ولادة الطائف خصوصاً أن احتدام أجواء الاستحقاق الرئاسي الآن يستعيد الطائف على ألسنة كثيرين. المفارقة هنا أنه في ذاك الزمن أطل الطائف على صهوة انهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، وها نحن اللبنانيين نقف حيارى أمام معالم تطوّر كبير بحجم اتفاق الترسيم ومن وما يقف خلفه من دلالات وخلفيات ومصالح وظروف، ونتساءل كيف لنا أن نتوقع حدثاً خارقاً وسط ظروف تعبئة دولية مليئة بالأخطار كتلك المتصاعدة بين روسيا والغرب كله؟

 

ثمّ، وهنا الأهم، هل ترانا نسلّم تلقائياً بأن اتفاق الترسيم “المهرول” بسرعة غير متصوَّرة قبل انتخابات إسرائيل وقبل نهاية العهد العوني سيفجّر لدينا في الداخل السياسي صراع “أبوّة” عليه بين الحزب الممانع الذي يعدّه من الآن انتصاراً إلهياً جديداً له والرئيس العائد الى الرابية منتصف ليل الحادي والثلاثين من تشرين الأول الذي يستقتل لإتمام الاتفاق قبل”آخرة” العهد الكارثي لعله يستر ملامح من تبعة تاريخية عن الانهيار الذي حلّ على يديه؟ أم سينبري رئيس البرلمان الذي فاوض الأميركيين عقداً لإعلان الاتفاق الإطاري للمفاوضات على الترسيم ليقول أنا العرّاب الأصلي وكلكم فروع؟ وماذا سيقول الآخرون، سائر الآخرين، الذين تفرّجوا من بعد على ما أوحى بذاك الشهير المسمّى “اتفاق القاهرة” الذي وُضع ووُقّع في عاصمة “أم الدنيا” ولم يعلم به حتى البرلمان اللبناني في إحدى أشهر فضائح النظام السياسي اللبناني القديم قبل حلول الحرب ومن بعدها زمن الطائف؟

 

هذا في الترسيم وما سيخبّئه لنا إن وُلدت الصفقة وانفجر المصفّقون والمهللون لها لتوظيف مفاعيلها داخلياً بأسرع ما يمكن ولو أن التنقيب عن غاز ونفط في المنطقة الاقتصادية سيستلزم أكثر من سبع سنوات. أما في الاستحقاق الرئاسي فنقف حيارى أكثر باعتبار أن لا لزوم لانسدادات مستعادة من معظم حقبات الماضي ما دام زمن الترسيم لم يقم اعتباراً لشبح حرب نووية يهدّد بها بوتين الغرب، فلماذا إذن استعصاء انتخاب ذاك المنقذ العجائبي الذي ننتظره جميعاً؟ وهل جمع أكثرية الثلثين أولاً ومن ثم أكثرية 65 نائباً بات أشدّ صعوبة واستعصاءً من اتفاق تمسك بطرفه إسرائيل من جانب ويمسك بطرفه الآخر “حزب الله” بات على مقربة من مراسم التوقيع؟ أيّ مفارقة غريبة وغرائبية هذه؟ أم تراها السذاجة المفرطة لدينا التي ظنّت أن الترسيم سيأتي لمجرّد معادلات انتخابية في إسرائيل ولا شيء في العالم اسمه “مصالح دولية”؟ للبحث صلة.​

المصدر:
النهار

خبر عاجل