ميخائيل السرعلي حمل مفاتيح الدير أمانة ورحل

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1732

ذلك الزّمنُ الرهبانيُّ النّاشئُ على رجحانِ الوزنات، المُتنَشِّقُ حتَّى ثنايا الأنفاس رحيقَ العَسَلِ البَرِّي الذي كان يقتاتُ به ناسكُ الميرونِ والمعموديّةِ والصَّوتِ الصّارخِ في البريَّةِ، كان بين جمهور دير قزحيّا راهبٌ عمليٌّ إسمُه العَلَمُ الأخ ميخائيل معتوق السّرعلي، وفِعلُه الرهبانيُّ كانَ علامةً مُتفوِّقةً من علاماتِ المنذورين للأقداس المُعطاة للقديسين. أوكِلَت إليه مسؤوليَّةُ مضافةِ الدَّير الداخليّة، فكان أمهَر من أوقدَ النّار تحت ركاوي القهوة والزهورات والشّاي بطيبِ مذاقٍ مُكتَسَبٍ مِن أطيابِ فضائِلِه الغزيرة وطيبةِ وداعتِه الملائكيّة، حيثُ ضيافتُه تدور من الصباح حتى قبل صلاة الظهر على أخوتِه الرهبان وفلاّحي الدير ومكاريَّتِه والعاملين في أرزاقه الوسيعةِ المدى الفائضةِ الجَّنَى!

خِي مخايل عُرِف بفضيلتينِ قَلَّما فاضِلٌ جاراهما به: فضيلة الصَّمتِ الرهبانيِّ الشِّبهِ المُطلَقِ الملتزمِ أعراف «ما قَلَّ ودَلّ»، وصلاتُه مسبحةَ الورديّة معظم ساعات النهار والليل كأنَّ حبَّاتِها وُلِدت ونَمَت مع أصابعِه وكانت بيوتُها الخمسة عشرة أساسًا ثابتًا في بنائه الروحيِّ الشّاهقِ حتى سقفِ السَّماء. فكانَ البار ينهض مِن نومِه الزَّهيدِ صيفًا شتاءً عند الساعة الثانيَّةِ بعد منتصفِ الليل، يعبُرُ من قلّايتِه إلى كنيسة الدير الصخريّةِ الدهرية عِبرَ دهليزٍ داخليٍّ، ومَن استيقظَ من جمهور الدَّيرِ على إيقاعِ خطواتِه الليليةِ كان يُدرِكُ أنَّها الثانيّةُ عشَرة بعد انتصاف الليل على توقيتِ ساعاتِ سجود الأخ مخائيل أمام بيت الجسدِ الإلهيِّ، ورفيقتُه الدائمة الحضور مسبحتُه الورديّة!

ومِن مسؤوليّات خِي مخايل الديريّةِ الثابتة أمانتُه على مفاتيح بوّابتَي الدير البوّابةُ الشرقيّة المُخصَّصة للرهبان والبوّابة الغربيَّة الأساسيَّة التي منها يعبرُ زوّار دير مار أنطونيوس قزحيَّا المعروف بأنطونيوس الملك يفتحهما عند السّاعةِ السادسة صباحًا ويُغلِقهما عند السادسة مساءً شتاءً والسّابعةِ صيفًا موعد إلتزام الرهبان بحصنهم الديّري، لا يُغادرونَه نهارًا إلاَّ للعملِ في حقولهم وليلاً عند طارئ مشحةِ ومرافقةِ أيّ منازع يعدُّونه للقاء وجه الآب السَّماوي!

كنّا مُبتدئين نرافقُ الأخ ميخائيل كلِّ مساء لمشاركتِه صلاةً خاصةً بِه كان يتلوها ونتلوها معه في مراسم إغلاق الباب الديري، وكانت تلك الصّلواتُ الميخائليَّةُ صلاتين: صلاة لشفيعِه وسميِّه قائد الحرس السماوي المُتوَلِّي رئاسة الرِّبوات الملائكية لأجل أن يحرسَ حصن الدَّير من هجماتِ الرَّجيم، ثُمَّ صلاةٌ بنويَّةٌ لأبي الرهبان لأجلِ أن يُحصِّنَ حواسَ أبنائه ورهبانِه ويعضدُها من حِيَلِ وحبائل وخدائع مُجرِّبٍ مُحنَّكٍ مثابرٍ على استنباط جميع أنواعِ الشرور والذئبياتِ الخاطفةِ المُمَوَّهةِ بلبوسِ الحملان!!

 

طيف من صلاة الأخ السرعلي

المجمعُ الرهبانيُّ التدبيريُّ التنظيميُّ الإنتخابيُّ الذي عقدته الرهبانيّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ بين 26 – 29 تموز 2022 هَل كان داخلَ أبوابِه الموصدة طيفٌ أو وقعٌ من أطيافِ وإيقاعات صلاة الأخ ميخائيل معتوق السّرعلي وهو يحملُ كالرُّمحِ السّماوي مفتاح بوّابة دير قزحيا.

كم حِصنٌ ديريٌّ من أديار الرهبانيةِ ما زالَ في نِطاقِ حراسةِ ميخائيل قائد الحَرّاسِ السَّماويين، بعد تشريع الأبوابِ بعيدًا عن رقابةِ رنينِ الجَّرسةِ المعقودةِ في قبضةِ عصا أنطونيوس المُنادي دومًا «أينَ أنتَ يا سيَّدي». هل ما زال الأركونُ الدّاهيَّةُ اللعين بحاجةٍ إلى إبتكار وتطويرِ أساليبَ جديدةٍ يصطاد بها حواس أهلِ الترهُّبِ طالما أنهم ابتكروها وطوَّروها بأنفسهم وبكامل وعيهم أو لا وعيهم تحت عنوان الخروج من المُنعَزلاتِ إلى المُجتمعات وسائر الإجتماعيات ومواكبةِ العَصرِ وإبن العصرِ وملاقاتِهم ولَو سيرًا على دروبٍ واسعةٍ تؤدّي إلى الهلاك، فارتادَ بعضُهم السَّهرات الإجتماعيَّةِ كنجوم مجتمع، ولبَّى بعضُهم دعوات مآدب النّافذين بينما آلافٌ مؤلَّفةٌ من إخوة «أليعازر المُعدَم ينشلحُ على بوّابة الغنيّ» والكلاب تلحسُ قروحَه الجسدية التي أنزلها بجسده وروحه ذئاب الدنيا والدين، وبعضُ المُترهبنين إنجذب إلى الأنشطة السياسيّة الشخصيّة والشخصانيّةِ والفنيّةِ والفندقيّةِ، فخاصرتهم التَّجاربُ وخاصروها كأفعى تراقصُ آدمَها وتُغامزُ حوّاءها!

داخلَ قاعةِ مجمع رهبانيّات صيف 2022 هل لاحت على المُجتمعين وجوهُ أولئكَ المُبارَكين الأفذاذ المُنقِّبين من شروق الشَّمسِ حتَّى مغيبها في أراضيهم الدَّيريّةِ يُحوِّلون بورَها ووعرها إلى عرينٍ للقمحِ والجنائنِ تحويل الماءِ إلى خمرٍ في عرس قانا الجليل وتحويل اليباسِ إلى خَصبِ مواسم في غَرسِ قانا الرهبانية اللبنانية المارونيّة، فأقاموا لصمود شعبهم نشيدًا مؤلَّفًا من ملكوتياتٍ سماويّاتٍ ومُلكيّاتٍ لبنانيّاتٍ على غبطةِ ترنيمِ الأفخارستيَّا السماويةِ واللبنانيةِ: «يا خبز الحياة وقوت الأرواح وعربون النَّعيم»!

مَن ذا الذي يستجمع عيون رهبان 2022 وآذانهم وأفواهَهم وحناجرهم التي ابتعدت كثيرًا عن التَّحلُّقِ حولَ قراّيةِ شحيم صلوات «صَفرو» و«لَتْشوعشوعين» و«فِلغِه» و«رَمشو» و«سُوترو» و«داربعو قَومو دليليو»، وتلكَ الحناجرُ الجوريَّةُ تصدح كالأجراس بالأفراميات واليعقوبيات والميامر والحسّايات تبتدئُ جميعها بنداء مناجاة: «أشوو لَن موريو ألوهو  أو أهّلنا أيها الربُّ الأله، ثم بـ«موريو مرحمونو رَحِم علَين وعَدَرين» أو إرحمنا اللهم واعضدنا، وحين يؤهِّلُ الربُّ مُختاريه وأصفياءه وأبراره وأتقياءه ويرحمُهم ويعضُدُهم فَمَن عليهم!!

 

مجمع وسلطة رهبانية جديدة

يوم 29 تموز 2022 أعلنَ المجمع الإنتخابيُّ الرهبانيُّ للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّةِ المُنعقدِ في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني المُستحدَثَة في دير جامعة الروح القدس الكسليك عن إنتخاب:

أ- الأب هادي محفوظ رئيسًا وأبًا عامًا إبن المباركة الفيدار الذي تقع مقاطعة بلاد البترون ـ جبيل في نطاق تدبيره.

ب- الأب جورج حبيقة نائبًا عامًا إبن المباركة ميدان سيدة مشموشة مُدبِّرًا عن مُقاطعة الشوف!

ج- الأب طوني الفخري البشراوي مدبِّرًا عن مقاطعة الجبة!

د- الأب جويف قمر مُدبِّرًا عن مُقاطعة كسروان!

هـ- الأب ميشال أبو طقّة الزحلاوي مُدبِّرًا عن مقاطعة المتن والمباركة زحلة حسب الجغرافيا الرهبانية تتبع لمقاطعة المتن!

هذه هي السلطة الرهبانية الجديدة للرهبانية اللبنانية المارونية سليلة الأب العام الأول المؤسِّس عبدالله قراعلي الحلبي الولادة والأصول اللبنانية الذي أُبعدَ عن رهبانيَّتِه وقاديشاه بدبلوماسيَّةٍ حبرويَّةٍ بعد نَقلِه وتعيينه مطرانًا على مدينة بيروت، وسليلةُ آباءَ عامِّين صُلبوا كسيِّدهم فاستهانوا بالصّلبِ والصَّالبين، أُدخِلوا مع رهبانيَّتهم كيونان النبيِّ في بطن الحوت أكثر بكثيرٍ من ثلاثة أيامٍ وكان العليُّ يعضدهُم ويُخرجهم من الهلاك إلى الصمود والثبات والجهاد في خُطى يونان المتريتي حتّى تشربَلت رهبانيّتُهم وتَحردَنت وتحملَنت وتَلحفَدت، والسلسلةُ التطويبيَّةُ والتقديسيَّةُ لهذه الرهبانية متواصلة ويجبُ على الخَلَفِ الرهبانيِّ ألّا يعتمد فقط على رصيد السَّلفِ الصالح الصديّقُ الذي كأرز لبنان ينمي!

البيان الرهبانيُّ الصّادر عَقب المجمع الإنتخابي ابتدأ بهذه العبارة الجوهريّةِ المُتوارَثَة: «بعد إستلهام الروح القدس  والروحُ يأمل ألّا يكون هذا الإستلهامُ إستلهائًا مورِس عليه لأجل عقدِ تحالفاتٍ إنتخابيّةٍ أشبه بمحاصَصة الأصوات التفضيليّة والكسور والعشور لأنّ بَصمةَ الميرون لا تتطبَّعَ مع بصمات حبرِ النّمر الزرقاء!

 

أركان الرهبانيّة الجدُد والمُجدَّد لهم

الكيانُ اللبنانيُّ الآنيُّ في عهدة عهد جهنم فإنَّ قديس خبز جياع الحرب الكونيّة الأولى الأب العام أغناطيوس داغر التنوري يناشدكم تأجيل الأسفارِ إلى الخارج للإتيان بمفاخر الألقاب العلمية لاستبدالِه بالسَّفرِ إلى زمن الأخ الياس صقر الكفيفاني مُشيِّدِ فردوس جنائن تفاح ومواسم فواكهة دير مار أنطونيوس قزحيا في أرض مزرعة «عين بقرة» فوق أعالي جبل مار الياس، والسَّفرِ إلى زمن خي جريس حرب رجل جنائن تفاح ومواسم فاكهة دير مار أنطونيوس حوب في أعالي تلال «غَيمون»، وذلك لإبعاد سحنة إبليس «سَفَر برلِك» عن عيون شعبكم اللبناني الحزينة حتى الموت حزن يسوع ليلة بستان الزيتون بين جليل الأمم ولبنان المصلوب على مؤامرات ومؤتمرات الأمم!

الأب العام ومُدبِّرو رهبانيّتنا اللبنانية المارونية أبلغُ وأصدقُ وأسمى وأعمقُ تهنئةٍ نهنِّئكم بها ما جاهر وشهدَ به لأسلافكم الأبرار الراهب الكبّوشيّ المًستشرِق الأب سيلفيستر دي سان أتيان: «ينهضون عند منتصفِ الليل ليذهبوا إلى الكنيسةِ أشبَه بجيشٍ صغيرٍ يُرعِبُ الأبالسة»!!!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل