
بدأت الروافد المحلية والعربية والدولية تلتقي كي تصبّ في مجرى سياسي جديد لإنقاذ لبنان، خلافاً للاعتقاد السائد بأن وطن الأرز متروك لقدره بعدما يئس العرب والغرب من حكّامه والمتحكّمين بقراره، ونفضوا أيديهم من مصيره.
فلا يسع أي مراقب أن يتجاهل مؤشرات التقاطع والتكامل بين تقدّم الحركة السياسية الداخلية وانتعاش الاهتمام الدولي والعربي بعد انكفاء مديد.
وليس أمراً تفصيلياً انعقاد لقاءَي دار الفتوى ودارة السفير السعودي في اليوم نفسه، مع ما حملاه من رسائل داخلية وخارجية ذات معنى وطني يسمو على الطابع الطائفي والمذهبي، ويُعيد إرساء ثوابت الدستور ومواقع الرئاسات والمسؤوليات على الشرعيات الثلاث، الوطنية والعربية والدولية.
ولا يغيب عن المراقب تجانس مضامين ومواقف ثلاثة في الأيام القليلة الفائتة:
– البيان الثلاثي النوعي السعودي الأميركي الفرنسي الذي صدر من نيويورك.
– كلمة المفتي دريان وبيان لقاء دار الفتوى، وكلمة السفير السعودي المعززة بخطاب وزير خارجية المملكة في الأمم المتحدة، والمقترنة بحركته اللافتة من كليمنصو إلى معراب وسائر القوى والشخصيات السيادية.
– الخطاب السياسي المتقارب أكثر فأكثر بين أطراف المعارضة وأطيافها، ما يُنبئ بتوحيد مواقفها بدءاً من رفض الموازنة الخاوية وترميم حكومة المنظومة على إخفاقاتها، وصولاً إلى الاستحقاق الرئاسي كمدخل مهم للانقاذ.
وليس مفاجئاً أن تُطلق “جبهة الممانعة” العنان لألسنتها في توجيه التهمة للعرب والغرب بالتدخّل في الشأن اللبناني، وللقوى السيادية والتغييرية ب”العمالة” للخارج.
ويغيب عنها أن هذه القوى وازنة جداً في تمثيل الإرادة اللبنانية الحرة كما أثبتت الانتخابات قبل خمسة أشهر، وأن العرب والغرب هم الأكثرية الوازنة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في العالم، بينما “الممانعة” تكاد تنحصر في الحيّز الإيراني الضيّق، وليس هناك تنسيق أو توحيد واضحان بين إيران وروسيا والصين مثلاً، في تكوبن “محور” حول الشأن اللبناني.
والأكيد أن لبنان ليس ضحية صراع بين محورين، لأن العالم بغربه وعربه، مع دول كثيرة إقليمية ودولية، لا يشكّل محوراً، بل حالة انفتاح عالمي مترامٍ، بينما إيران تقود محوراً أنتجته بنفسها في بعض الدول العربية، عبر بيادق وأدوات و”حشد” و”سرايا” موّلتها وسلّحتها ونفختها بعقيدة مقفلة.
لذلك، فإن هذا المحور المنغلق على نفسه، بدأ يعاني عوارض التفكك، بدءاً من المتروبول طهران والوضع القلق السائد في سائر المدن الإيرانية، عبوراً إلى انتكاسات اليمن والعراق وسوريا ولبنان، ولا أمل لمن يكون في مرحلة انحدار أن يصمد طويلاً في وجه العالم.
ألا يجب الإقرار مثلاً بما آل إليه “حزب اللّه” بين ٢٠١٦ و ٢٠٢٢، وأين كان جبروته وأين صار، وكيف يموّه عجزه تحت ستار “التوافق” على الرئاسة، ويبحث عن “انتصار” خادع في الترسيم والتعويم؟
فعلى هذا الواقع اللبناني والعربي والدولي الواعد بمعطياته ومتغيراته، يجب أن تتضافر الجهود اللبنانية الحرة والصادقة، وتقترن بالإرادتين العربية والغربية، على أن تحفظ “مومنتم” التغيير وتُبقيه حياً لبلوغ الخلاص.