بين القائد والرئيس مشروع دولة لا دويلة

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1733

عندما انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية انتقل من موقع قيادة المقاومة اللبنانية إلى رئاسة الجمهورية على أثر إنتصار مشروع الجمهورية اللبنانية على المشروع الذي كان يرمي إلى نسف مقوّمات هذه الجمهورية. ولولا هذا الإنتصار لما وصل إلى الرئاسة الأولى، ولو انتُخب رئيسًا من دون هذا الإنتصار لتولى إدارة الأزمة لا حلها، ولو قدِّر له أن يحكم لكان أنهى الأزمة اللبنانية وأعاد لبنان إلى ما قبل حرب العام 1975.

اليوم تختلف إدارة الأزمة بين رئيس وآخر، بين رئيس يتمسّك بسيادة لبنان ودور الدولة ويرفض تقديم أي تنازلات تخدم مشروع الدويلة ويعمل بكل ما أوتي من قوة لتغليب المسار الشرعي على المسار غير الشرعي، ورئيس يشكل غطاءً شرعيًا للدويلة ومنفذاً لأجندتها الاستراتيجية، وهمّه ينحصر بوضعه وموقعه وليس بوضع لبنان وموقع الجمهورية.

ومن هنا أهمية حُسن اختيار رئيس الجمهورية، وأي رئيس في ظل المعطيات الراهنة غير قادر على إنهاء الأزمة اللبنانية أو حلها، ولكنه قادر على وضع حد للقضم المتمادي للدولة، كما أنه قادر على ترسيم الحدود السياسية بين الدولة والدويلة بعدما أزيلت هذه الحدود في العهد الحالي.

ومن هنا أيضا الحاجة إلى قائد ورئيس: قائد يواصل المواجهة السيادية ويشكل بدوره رأس الحربة في مواجهة المشروع الآخر؛ القائد الذي يُتكأ على ثباته وقوته وحيثيته وتنظيمه وعلاقاته ومشروعه وتصميمه ومن دونه يُزال آخر حاجز ومتراس جدي يمنع تمدُّد الفريق الآخر، وهذا القائد هو رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي يمثِّل المقاومة اللبنانية السياسية التي نشأت في الحرب وواصلت نضالها في السلم سعيًا إلى دولة طبيعية ودستور وقانون واستقرار وازدهار.

والإنقسام اليوم هو بين مقاومتين: مقاومة شيعية تشكل جزءًا من ثورة دينية إيرانية وتريد لبنان ساحة نفوذ متقدمة لمشروعها الذي لا يعترف بدول وكيانات وحدود ودساتير، ومقاومة لبنانية هدفها إحياء التجربة اللبنانية بين عامي 1943 و 1975 عندما كان لبنان منارة الشرق وقبلته في كل القطاعات والمجالات.

وأي خلل في ميزان القوى بين المقاومة الإيرانية والمقاومة اللبنانية يؤدي إما إلى مزيد من إنحسار الدولة، وإما إلى مزيد من تمدُّد الدولة، وفيما تعمل المقاومة الأولى على إلغاء الجمهورية اللبنانية تعمل المقاومة الثانية على إحياء الجمهورية وتحصينها، وهذه المواجهة تسقط فيها معادلة «لا غالب ولا مغلوب»، لأنها ليست بين مكوّنين لبنانيين على خلفيات سلطوية، إنما بين مشروعين لا مساحات مشتركة بينهما في ظل مشروع هدفه إستمرار لبنان ساحة إقليمية، ومشروع آخر هدفه إعادة الإعتبار للوطن اللبناني.

فالمواجهة اليوم بهذا المعنى هي بين مقاومة إيرانية ومقاومة لبنانية، وهذا ما يفسِّر المواجهة الشرسة ضد «القوات اللبنانية» لأن كسرها يعني كسر الحلقة السيادية الأقوى القادرة على التصدي للمقاومة الإيرانية وتسجيل النقاط في مواجهتها، ونجحت «القوات» على رغم الشيطنة والحصار والحرب المفتوحة ضدها ليس في الصمود فقط، إنما في مواصلة تعزيز حضورها في كل البيئات اللبنانية ودورها السياسي كرافعة للخط اللبناني السيادي، وأعادت في الانتخابات النيابية الأخيرة التمثيل المسيحي إلى حيث يجب أن يكون إمتدادا للمشروع الذي حوّل لبنان إلى سويسرا الشرق.

وهل يمكن مثلاً تصوّر لبنان اليوم للحظة من دون «قوات لبنانية»؟ وقد يكون هناك بعض المآخذ على «القوات»، وهذا طبيعي في سياق العمل السياسي، ولكن من الخطيئة بمكان تضخيم المآخذ أو أن تطغى الإعتبارات الذاتية على الإعتبارات الوطنية التي تشكل «القوات» حصنها الأول، وبالتالي المصلحة اللبنانية تستدعي الإلتفاف حول «القوات» لا مواجهتها، كما تتطلب من الأخيرة إحتضان كل من هو في صميم الخط السيادي على قاعدة الوعاء الأكبر.

فإما تنتصر المقاومة اللبنانية فينتصر لبنان، وإما تنتصر المقاومة الإيرانية فينتفي وجود لبنان التعددي والحضاري، وهذه المواجهة تتطلّب من الدكتور جعجع أن يواصل دوره قائدًا للمقاومة اللبنانية ويدفع باتجاه انتخاب رئيس الجمهورية القادر من خلال إحتضان «القوات» على وقف تمدُّد الدويلة على حساب الدولة ووضعه الحد الفاصل بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية الإيرانية.

ولم يترشّح رئيس «القوات» إلى رئاسة الجمهورية سوى من أجل قطع الطريق أمام الترشيحات غير القادرة على حماية مشروع الدولة، ورفع مستوى هذه الترشيحات من خلال تقديمه المشروع الرئاسي الذي يقود إلى الجمهورية التي تجسِّد تطلعات معظم اللبنانيين، وجلّ ما يريده انتخاب الرئيس الذي يرفض التنازلات والمساومات والتسويات على حساب الدولة وحقوق الشعب اللبناني بالحرية والعدالة والمساواة.

ويُدرك الدكتور جعجع أن أي رئيس للجمهورية سيقتصر دوره على إدارة الأزمة، وما يريده هو الرئيس الذي يُدير الأزمة من خلال رفض التنازل للدويلة بالحد الأدنى، وتوسيع مساحة الدولة تدريجًا بالحد الأقصى، وأي رئيس بخلفية سيادية وإصلاحية قادر على القيام بهذه المهمة، فيما قائد المقاومة اللبنانية دوره في مواصلة المواجهة السيادية، ووصوله إلى موقع رئاسة الجمهورية يتوقّف على انتصار مقاومته وانتقاله إلى موقع الرئاسة الأولى لترجمة هذا الإنتصار مؤسساتيا.

فلكل من القائد والرئيس دوره، والقائد من دون رئيس للجمهورية سيادي وإصلاحي تصعب مهمته ولن يكون قادرًا على فرملة تمدُّد الدويلة داخل الدولة على رغم قدرته على مواصلة سياستي الصمود والنضال، والرئيس من دون قائد المقاومة اللبنانية سيكون خاضعًا للمقاومة الإيرانية، والقائد تنتفي مهمته عندما تنتصر المقاومة اللبنانية فينتقل إلى رئاسة الجمهورية، وبالإنتظار نجح قائد المقاومة اللبنانية، لغاية اليوم، في تسديد ثلاثة أهداف استراتيجية:

الهدف الأول: إنتزاع الأكثرية النيابية من فريق الممانعة الذي راهن على أن الانتخابات لن تبدّل في ميزان القوى داخل مجلس النواب، ولكن رهان قائد المقاومة اللبنانية على الناس فعل فعله.

الهدف الثاني: وصول الناس والمعارضة النيابية على اختلاف مكوّناتها إلى قناعة بأن انتخاب رئيس غير سيادي وغير إصلاحي يعني، ليس فقط إستمرار الأزمة الوطنية والمالية، إنما إستمرار الإنهيار بكل فصوله والإنزلاق نحو هاوية لا قيامة من بعدها.

الهدف الثالث: تبنّي المجتمع الدولي ممثلاً بالدول الثلاث الأكثر متابعة للوضع اللبناني، أي الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية، مطلب معظم اللبنانيين بانتخاب رئيس للجمهورية يلتزم باتفاق الطائف والقرارات الدولية والإصلاحات المالية والاقتصادية، خصوصا أن هذا المجتمع أوقف مساعداته للدولة التي يعتبرها مرتهنة لدى منظومة السلاح والفساد ويساعد الشعب اللبناني عبر المنظمات غير الحكومية، وبالتالي المدخل لإعادة مساعدة لبنان انتخاب الرئيس الذي يواجه الإنقلاب المتمادي على اتفاق الطائف منذ العام 1990.

فالفارق شاسع جدًا بين إدارة للأزمة يواصل فيها مشروع الدويلة قضمه للدولة، وبين إدارة للأزمة تضع حدًا لسياسة القضم ويتقدّم فيها المشروع اللبناني.

 

شارل جبور –  رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل