جرّة العسل وكرسي الرئاسة

لويجي بيرانديللو كاتب مسرحيّ وشاعر إيطاليّ (1867- 1963)، حاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1943م.

نشر عدّة مسرحيّات نذكر منها: مسرحية “الليلة نرتجل” و”الجرّة” عام 1921م وغيرها من الأعمال المسرحية المميّزة.

جسّد إبداع بيرانديللو، فكرة فلسفيّة محوريّة، حول التناقض الجدلي بين الحركة وثبات الصورة. فإذا استمرت الحياة لا بدّ لها من أن تنقص، ولكي تستمر لا بدّ من أن تكون لها صورة ثابتة في كلّ مرحلة من مراحلها. من هنا الصّراع الدائم حسب تعبيره “بين ضرورات الحياة الديناميكية ومتطلبات الاستاتيكيّة”.

جمع بيرانديللو أوائل مسرحيّاته في مؤلّف تحت عنوان “الأقنعة العارية”، فقد ركّز خلاله على كشف سخرية القدر، فتهافتت الحقيقة الافتراضيّة على خشبات المسرح، ممزّقة الأقنعة التي يصنعها الرياء والتصنّع.

لأنّ بيرانديللو أنزل الفلسفة من عليائها إلى خشبة المسرح، وزاوج بينها وبين الإبداع الفنيّ، كانت الحقيقة بكلّ مشاكلها أحد أهم المحاور الأساسيّة الذي ارتكز عليها فنّه. فمن ضمن ثلاثيته التي نشرها عام 1921م هناك مسرحيّة من فصلٍ واحدٍ تدعى “الجرّة”.

تدور أحداث هذه المسرحيّة في إطار كوميديٍّ ساخرٍ، يعبّر عن ديمومة الصّراع الأزلي بين فئات المجتمع الطبقيّ. ففي موسم قطاف الزيتون، يشتري “دون لوللّو زيرافا” الثري البخيل جرّةً جديدةً، وكان شديد الحرص عليها، وقد ملأها بالعسل لانّ سعر العسل كان في أدناه، من أجل تخزينه طول العام بقصد التّوفير.

تعرّضت الجرّة للكسر في ظروف غامضة. وبعد اتّهامات متبادلة بين عمّال مزرعته، ضاعت الحقيقة، وبقيت كذلك بالرغم من تعيينه محامٍ خاص لتوجيه اتّهامٍ لهم. وبعد أخذ وردّ، وافق على عمليّة إصلاح الجرّة، فلجأ إلى الحرفيّ “ذي ديما” مخترع المصطكي الفوريّ العجيب. وبسبب عدم ثقة الثريّ بأحد، أراد أن تُعاد القطع المكسورة وتُجمع لإصلاح الجرّة.

دخل المتخصّص في الإصلاح إلى داخل الجرّة، وأصلحها مغلقًا الكسر الذي دخل منه، بواسطة القطع المجموعة. لكنّه تعثّر في الخروج من الفتحة العلويّة للجرّة. ممّا ادخله في مشكلة مع الثريّ البخيل صاحب الجرّة. فلجئ إلى كسرها ليستطيع الخروج، أدّى ذلك إلى إطلاق العنان لغضب “دون لوللّو” العاجز.

رائحة العسل الفائحة من الكرسي الأوّل للجمهوريّة، جعل القيمين عليه يتبارون في خلخلة ركائزه، وكسر الباب المؤدّي إليه. ففي كلّ مرّة يأتي مدوّر الزوايا بناءً لإيماءات خارجيّة بنجّار لإصلاح الباب -أي البلد، ويعلّل ذالك قانونيًا بقوله “لمرّة واحدة فقط”.

كلّ ذلك حصل، بعد خلع الباب كليّا، بسبب غضب الذي كان جالسًا مؤقتًا على الكرسي، حين أقرّ الميثاق الوطني الجديد دستورًا للجمهوريّة الثانية- فيجلس الجالس على الكرسي المخلخل، ويهتم بثباته عليه، لأنّ الجلوس على كرسي مخلخل أرجله، يؤدّي إلى السقوط في حال عدم التوازن. فينصبّ الإهتمام كليًا على إصلاح الباب الذي ضاعت أقسامه في جياب المسؤولين وخزائن المصارف. ويُلصق عليه قطع رقيقة من غير لونه ويُعطّل قفله، ويُهمل إصلاح الكرسي بسبب ضيق الوقت ولرغبة بمنع دخول أحد، عند حلول “موسم قطاف الزيتون” والجلوس عليه أطول مدّة ممكنة.

وتعاد العمليّة كلّ مرة ف”موسم قطاف الزيتون” عندنا يأتي كلّ ست سنوات. فالجالس على الكرسي يجهل أنّه بثبات الكرسي تصدر أوامره عن عزم وقوة، ويُصلح الباب أو يؤتى بباب جديد. فالخلخلة بالكرسي قديمة، لأن صلاحيّات الجالس عليه كانت مطلقة، ولم يستعملها أو يستغلّها من أجل باب يدخل الأمان للرعية وله.

وفي كلّ مرّة يحصل خلاف شديد بين الّذين يدّعون بالحفاظ على حقوق من تمثّلهم الكرسي في النطاق الضيّق، ويؤدي الخلاف مع أسباب أخرى إلى تحطيم الباب، وتقوم الثورات، وتبقى الجمهورية بدون باب ويبقى الكرسي مخلخلًا.

فهل سيأتي الآن شخصٌ مُصلحٌ، لا تغريه رائحة العسل، ويبقى نحيفًا خلال عملية الإصلاح، من أجل الخروج السلس من الفتحة الطبيعيّة للجرّة، افساحًا في المجال لتخزين العسل وتوزيعه على الرعيّة بالتساوي؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل