
الحقيقة الوحيدة التي أفرزها فشل النواب في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، هي انّ احدًا في لبنان لا يملك مفتاح الاستحقاق الرئاسي. يقابلها إنكار فاضح لها، من مكونات سياسية ونيابية توهم نفسها، وغيرها في آن معًا، بأنّ لها دورًا مقررًا في هذا الاستحقاق، وانّ المقاعد المعدودة والمحدودة التي تحتلها في مجلس النواب، تمنحها قدرة التحكّم بمسار الاستحقاق الرئاسي، وتوجيه دفّته في الاتجاه الذي تريده. وهو ما تبدّى في بعض التصريحات المجافية للواقع التي أُطلقت غداة جلسة الفشل الانتخابي.
رئيس المجلس النيابي نبيه بري رفع الجلسة، ولم يُلزم نفسه بتحديد موعد لجلسة جديدة، موجّهًا البوصلة النيابية في اتجاه التوافق الذي لا بدّ من توفره للعبور بالاستحقاق الرئاسي إلى شاطئ الأمان، وتجنيب البلد فراغاً رئاسيًا مفتوحًا على مديات زمنية طويلة، مفتوحة بدورها على شتى الاحتمالات السلبية.
ولكن على ما هو مؤكّد، انّ بري بتأكيده على التوافق وقطف الانتخابات الرئاسية بناءً عليه، يطلب المستحيل في الجو السياسي المنقسم على نفسه، ذلك انّ الاستحقاق الرئاسي مبعثر ضمن خريطة سياسية ونيابية، لا يجمع بين عناصرها سوى التنافر والصدام والحقد والارتهان لحسابات سياسية وحزبية وشخصية. ودلّت التجربة مع مكوناتها في السنتين الاخيرتين، انّها لا تلتقي حتى على أبسط البديهيات التي تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين، وتضع الدولة من جديد على مسار عودتها كدولة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.