#dfp #adsense

الحكم في لبنان والحكيم جعجع

حجم الخط

عشية عيد ميلاده السبعين، الذي سيصادف في 15 تشرين الأول 2022، الكاثوليكي الماروني سمير جعجع، القائد الدؤوب للقوات اللبنانية، هو اليوم في أعين مواطنيه ومعظم الدول الناطقة بالعربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية ذات التأثير القوي في المنطقة. هو الزعيم المسيحي الرئيسي في دولة شرق البحر الأبيض المتوسط – مما يجعل منه الاسم الأنسب لخلافة الرئيس الحالي العماد ميشال عون البالغ من العمر 88 عاماً، في الانتخابات المقرر إجراءها في تشرين الثاني من هذا العام. ولكن، بسبب الحفاظ على “التوازنات” والاتفاقيات التاريخية، التي تضمن، بطريقة أو بأُخرى، ورغم كل شيء، التعايش الديمقراطي في لبنان.

“الحكيم ” جعجع، مجَدَداً لن يكون مرشحًا – كما حدث بالفعل في الانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014. قبل ثماني سنوات، إذ كادَ أن يكون خلفًا للجنرال ميشال سليمان، الذي يبلغ الآن 73 عامًا.

جعجع هو بلا شك الأكثر شجاعة واحترامًا بين جميع القادة المسيحيين في الشرق الأوسط – بما في ذلك الدول التقليدية الأخرى مثل قبرص وأرمينيا وجورجيا. يُعتبر “ابن الشعب”، من مواليد الحي المسيحي التقليدي “عين الرمانة” في شرق بيروت، لكنه ينحدر من عائلة من الطبقة الوسطى من مدينة بشرّي في شمال لبنان، مسقط رأس الشاعر والفيلسوف جبران خليل جبران. (1883 – 1931)، جعجع هو الوحيد من بين كِبار قادة المجتمع المسيحيين والمسلمين في لبنان، الذي لا ينتمي إلى عائلة من الوجهاء. لكن في وطنه الحبيب وطن الأرز ذو آلاف السنين، وكذلك في جميع أنحاء الشرق، يحظى بالاحترام وبكل مَوَدّة يُلَقّب بالحكيم ـ وهي كلمة تعني في اللغة العربية، الحكيم (صاحب الحِكمة) والطبيب، وذلك لأنه درس الطب منذ العام 1972، في كلية الطب في الجامعة الأمريكية الشهيرة، في العاصمة اللبنانية، من دون أن يُنهي دراسته بسبب اندلاع الحرب (1975ـ 1990) وانخراطه في المقاومة، أولاً كمناضل ثم لاحقاً كقائد للقوات اللبنانية.

جعجع، أحد كبار الشخصيات المسيحية في لبنان المعاصر، البلد الذي سيحتفل في عام 2023 بالذكرى الثمانين للاستقلال، المعلن خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، يُقارَن جعجع، الذي كان والده معاوناً في وحدة الموسيقى في الجيش اللبناني، بكبار رجال الدولة الموارنة. مثل كميل شمعون (1900-1987) وفؤاد شهاب (1902-1973) كلاهما رئيسا للجمهورية، الأول من 1952 إلى 1958 والثاني من 1958 إلى 1964، وكذلك بيار الجميل (1905-1984)، مؤسس حزب الكتائب اللبنانية ونجله بشير الجميل (1945 – 1982) مؤسس القوات اللبنانية التي سينضم إليها جعجع بعد وقت قصير من بدء المواجهة المسلحة. وسيصبح عملياً ذراعاً قوياً لبشير الجميل، خصوصاً بعد انتخابه رئيساً للبلاد. لكنه مُنِعَ من تولّي المنصب، إذ اغتيلَ في تفجير دمّرَ مقرّ حزب الكتائب في حي الأشرفية المسيحي في بيروت، في 14 أيلول 1982، خلف بشير الجميل في رئاسة البلاد شقيقه أمين الجميل، حاليًا 80 عامًا، وفي قيادة القوات اللبنانية فادي افرام ثم فؤاد أبو ناضر ومِن بعده المثير للجدل إيلي حبيقة (1956 – 2002)، خلفه بعد ذلك بوقت قصير، في العام 1986، جعجع.

الذكرى الأربعون لاستشهاد بشير الجميل، في الواقع، استحقّت في ساو باولو، في 18 أيلول، قداسًا على شرف القائد الشهيد، في كاتدرائية سيدة لبنان المارونية، في ساو باولو. كان لي شرف كبير بالحضور تلبيةً لدعوة من رئيس القوات اللبنانية في البرازيل الصديق ريمون البطي، وأنا من المعجبين بالعمل الذي يقوم به في خدمة الجالية اللبنانية في البرازيل.

على مدى 36 عامًا، كان جعجع قائدًا للمقاومة القوية التي دافعت عن جميع المسيحيين وبعض المجتمعات الإسلامية، بين السبعينيات والثمانينيات، ضد منظمة التحرير الفلسطينية (منظمة تحرير فلسطين)، بقيادة ياسر عرفات (1929 – 2004)، مدعومًا من الاتحاد السوفيتي آنذاك، بالإضافة إلى مقاتلين فلسطينيين آخرين بقيادة الأردنيين جورج حبش (1925-2008) ونايف حواتمة، البالغ من العمر الآن 86 عامًا.

في نهاية الحرب اللبنانية وجدَ المسيحيون أنفسهم ضعفاء للغاية وقبل كل شيء منقسمون بشكل دراماتيكي. إذ شهد العام الأخير من الصراع 1990، اشتباكات بين القوات اللبنانية والعماد ميشال عون، وهو ماروني مثل جعجع، عندما تولى مؤقتًا رئاسة الحكومة، مع انتهاء ولاية أمين الجميل. حاول عبثًا نزع سلاح المسيحيين أنفسهم من جانب واحد. لقد أراد ـ ونجح ـ في إبقاء الميليشيات الشيعية مسلحة. واليوم، كما نعلم، عون هو الحليف الماروني الأساسي لحزب الله. تم “نزع سلاح” القوات اللبنانية أخيرًا في العام 1994. في نفس العام الذي تم فيه إلقاء جعجع في زنزانة وزارة الدفاع، بتهمة تفجير كنيسة أودت بحياة عدة أشخاص، في 27 شباط 1994، أثناء قدّاس الأحد صباحاً في كنيسة سيدة النجاة المارونية في منطقة ذوق مكايل.

مظلوماً وضحية، قضى جعجع أحد عشر عامًا محاصرًا في غرفة لا يستطيع الوقوف فيها. “وحيد”. كانت الزيارة الوحيدة المسموح بها، مرة واحدة في الشهر، هي زيارة زوجته، ستريدا طوق جعجع، التي لم تنأ بنفسها عن زوجها أبدًا، مستسلمة للإذلال لرؤيته ومحاولة مواساته طوال فترة اعتقاله. اعتقل جعجع في 21 نيسان 1994 وأفرج عنه في 26 تموز 2005، اليوم الذي غادرت فيه القوات السورية لبنان بعد تسعة وعشرين عاماً من الاحتلال. منذ ذلك الحين، أعاد جعجع التأكيد، في وضح النهار، على القيادة التي يحسده عليها معظم اللبنانيين المسيحيين. تستحق إعجاب وتقدير الصحفيين مثلي، إذ أمضيت أكثر من شهرين في بيروت في نزاعات العام 1982، مراسلاً خاصًا للمجلة الأسبوعية البرازيلية Istoé بعد الغزو الإسرائيلي بقيادة الجنرال أرييل شارون (1928 – 2014). وكذلك الانتخابات الرئاسية لبشير الجميل واغتياله لاحقًا ـ بتفجير مقر الكتائب اللبنانية، إذ كنت قبل أيام أبحث عن مقابلة مع رئيس الجمهورية الجديد للأمة الشهيدة. والتي للأسف، لن تحدث أبدًا.

جعجع، خليفة بشير على رأس القوات اللبنانية، رجل ذو إيماءات منضبطة وصوت متقطع، لكنه قادر على فصاحة مُعدية في اللحظات الصعبة. تعلّم الحكيم في سنوات السجن المؤلمة أن يتحلّى بالصبر ولا يفقد الأمل. كما تعلم التمييز الدقيق بين الخصوم والأعداء. فالخصوم هم كل أولئك الذين يقاتلون في أحزاب أو شرائح معارضة من أجل هيمنة أفكارهم وبرامجهم الحكومية. من ناحية أخرى، فإن الأعداء هم أولئك الذين يريدون بلا هوادة تدمير خصومهم. هم أنفسهم، على سبيل المثال، الذين أبقوا جعجع بقسوة لمدة 11 عامًا في “زنزانة”، محرومًا من “حمام الشمس”، لاعتقادهم أنه سيموت ببطء يوماً بعد يوم، مع معاناة طويلة. لقد تعلم جعجع الانتظار وعدم اليأس – كان اليأس ليدفعه إلى الجنون. لذلك، بحكمته، التي تم تشكيلها على مدى سنوات من التعذيب في أقبية وزارة الدفاع، فهو يعلم جيدًا أن الانتخابات الرئاسية له لن تتم إلا إذا استفادت منها قطاعات واسعة من المجتمعات العرقية والدينية المختلفة في لبنان ـ كما حصل العام 1982 بانتصار بشير الجميل. المرشح المثالي اليوم، بحسب المحللين اللبنانيين، سيكون له صورة رئيسين سابقين: فؤاد شهاب المذكور أعلاه، وإلياس سركيس (1924 – 1985)، الذي استمرت ولايته من 1976 إلى 1982. كلاهما مستقل ووطني. سيحتاج خليفة عون إلى جواز مرور من جعجع، الذي لا يمكن التصويت له، لكن دعمه حاسم بالنسبة للفائز.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل