Site icon Lebanese Forces Official Website

حول مواصفات رئيس الجمهورية… بين الواقع والتمنيات

كتب الدكتور مصطفى علوش في “المسيرة” – العدد 1733

 

«الحاكم اللي زهد في الملك واللذات

والزاهد اللي حكم ضد الهوى والذات»

أحمد فؤاد نجم

«رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على إستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور (مادة 49 من الدستور).

وعندما يقبض رئيس الجمهورية على أزمة الحكم يحلف أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمة والدستور (مادة 50).

يُسمّي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب إستنادا إلى إستشارات نيابية ملزمة، يطلعه رسميًا على نتائجها، ويصدر مرسوم تسميته منفردًا (مادة 53 / 2 و3).» مقتطفات من الدستور اللبناني.

ليست الدساتير قوانين منزلة، لكنها الركن الأساس للإستقرار وضمان تداول السلطات بشكل سلس، كما أنها تشكل المرجع الصالح عند حصول تضارب في الصلاحيات أو خلاف على المسؤوليات.

قوة المسؤول تنبع من الدستور والتزامه به وبحدود المسؤوليات والسلطات الموضحة فيه. هذا لا يعني أن الدستور يتحول إلى صنم معبود غير قابل للنقض، فالدستور ذاته ضمن المرجعيات الصالحة للنظر فيه وتحسين الأداء وسد الثغرات التي قد تظهر خلال الممارسة. لكن الدستور يبقى المرجعية الوحيدة طالما أنه قائم، ولا يمكن تعديله بناءً على رغبة قيادة معينة، حتى ولو حصلت على الأكثرية من ناحية التأييد الشعبي، إلا باتباع الوسائل الدستورية للتعديل.

من هنا فإن على الرئيس العتيد للبنان، والذي يقسم على حماية الدستور، أن يلتزم بهذا الدستور بالكامل، مع حقه بطرح التعديلات أو التطوير الذي يرتئيه في الدستور، ولكن دائمًا من خلال الآليات الدستورية. وقد تكون الثغرة الفاقعة هنا في الآليات هي بجعل كامل سلطات تعديل الدستور في يد مجلس النواب، وهو ما أثبت بالتجربة خضوع الأمر للأهواء والمصالح. لكن هذا الأمر الآن هو خارج عن الموضوع، ويحتاج لبحث آخر في القانون والدستور والنظام السياسي.

لكن، وبرأيي، فإن الرئيس القادم عليه أن يعلن ويلتزم باتفاق الطائف وبالدستور القائم على أساسه، لأنني أعتقد أنه الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة البلد. هذا الإلتزام يجب أن يشمل أيضًا قوانين الانتخابات التي تستند إلى المحافظات كدوائر، وهو عكس قانون الفصل الطائفي-المذهبي المطبق حاليًا، والذي يشكل مخالفة صريحة للدستور، على الرغم من تصويت مجلس النواب بعكس ذلك. وقناعتي هي بوجوب التزامه باستكمال تطبيق مندرجات الإتفاق وتأمين العبور نحو تطبيق اللامركزية الإدارية والتوجه نحو إلغاء الطائفية السياسية حسب الآلية المنصوص عنها. وكل المعطيات السياسية اليوم تشي بأن محاولة تعديل الاتفاق ستفتح الباب أمام جدل سيؤدي حتمًا إلى الخلاف الذي قد يصل إلى هدر وحدة البلاد جغرافيا وديموغرافيًا.

الإلتزام الثاني هو إعلان بعبدا. أي إتباع نهج الحوار والتهدئة الأمنيّة والسياسيّة والإعلاميّة والسعي للتوافق على ثوابت وقواسم مشتركة. ذلك بهدف تثبيت دعائم الإستقرار وصون السلم الأهلي والحؤول دون اللجوء إلى العنف والإنزلاق بالبلاد إلى الفتنة، وتعميق البحث حول السبل السياسية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. لكن هذا الأمر لا يتحقق إلا بتعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الإحتكام إلى القانون والمؤسسات الشرعيّة لحلّ أيّ خلاف. هذا يعني أيضًا إعتبار القوى الأمنية الشرعية الضمانة الوحيدة للسلم والأمان الوطني، وتكريس الجهد اللازم لتمكينها لفرض سلطة الدولة من دون الحاجة لأي نوع من الميليشيات المسلّحة تحت أي من المسمّيات وبالأخص «المقاومة». هذا يستدعي أيضًا دعم سلطة القضاء وتمكينه من فرض أحكام القانون بصورة عادلة ومن دون تمييز. العمل على تنفيذ خطة نهوض اقتصادي واجتماعي في مختلف المناطق اللبنانيّة، وهذا يعني تأمين الإستقرار الأمني والتشريعي وسحب لبنان بالكامل من سياسة الإستتباع لمحور الممانعة بالذات والتمسك بنظام المصلحة العربية الذي أثبت على مدى عقود أنه السبيل الوحيد لضمان إنطلاق الاقتصاد وعودة الحياة المالية والاقتصادية إلى الإستقرار.

من هنا الحاجة إلى دعوة جميع القوى السياسيّة الى الإبتعاد عن حدّة الخطاب السياسي والإعلامي وعن كلّ ما يثير الخلافات والتشنّج، بالأخص ما هو موجه نحو الدول العربية ودول الخليج العربي بالذات، وذلك حفاظًا على مصلحة لبنان.

كما أنه على الرئيس العتيد أن يحفظ البلاد من التحريض الطائفي والمذهبي، بما يحقّق الوحدة الوطنيّة ويعزّز المنعة الداخليّة في مواجهة الأخطار الخارجيّة، بما ينعكس إيجابًا على الرأي العام وعلى القطاعات الاقتصاديّة والسياحيّة والأوضاع الاجتماعيّة. هنا، على الرئيس أن يلتزم فعلًا وليس فقط بالكلام بتحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الإنعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، والتمسك بقرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي وبحقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم، والأمر ذاته ينطبق على اللاجئين السوريين بالعمل مع الأمم المتحدة لإيجاد الظروف الملائمة لعودتهم إلى ديارهم. وعلى الرئيس أن يعلن الإلتزام بالقرارات الدوليّة، وعلى رأسها القرار 1559.

لكن، وفوق كل ذلك، وبما أن الأزمة الاقتصادية والمالية هي هم المواطنين الأساسي، فعلى الرئيس أن يكون ملّمًا بالوضع الاقتصادي المحلي والدولي، وأن يكون قادرًا على إدارة الأزمة بشكل مقبول وألا يكون هو جزءًا من الأزمة، كما هو حاصل اليوم. هذا يعني أن يكون على مسافة واحدة من المكوّنات السياسية والطائفية.

ومن هنا، فإن مواصفات الرئيس يجب أن تتطابق مع الحكومة التي ستلي وصوله إلى سدة الرئاسة، ولا يكفي أن يكون الرئيس لوحده إصلاحيًا، ولا أن يعلن براءته من دم الصديق بقوله «ما خلّونا»، فقد منح الدستور الرئيس القدرة على تعطيل أي إستحقاق من هذا النوع لا يصل إلى الإصلاح الحقيقي في بنية السلطة. ما حصل في هذا العهد كان تعطيلًا لضمان الحصص لفريق الرئيس، أما الرئيس القادم، فعليه أن يعاند لوصول حكومة إصلاحية بالفعل تقنع اللبنانيين والعالم بقدرتها على تغيير الوضع الذي خنق البلاد على مدى عقود، وجعل من تعدد السلطات أمرًا واقعًا عطل كل إمكانية للإصلاح ولتحسين صورة لبنان على المستوى الإقليمي والدولي.

من غير المصلحة اليوم البحث عن رئيس قوي بحزبه أو جماعته أو تحالفاته، فالرئيس القوي هو من سيتمسك بما سبق، فمن جرّب المجرّب كان عقله مخرّب.

في «الجمهورية الفاضلة»، يقول أفلاطون ما معناه أن يكون الحاكم منزهًا عن كل الأهواء، وألا يكون له رغبة بوريث يرثه أو ثروة يجمعها من خلال السلطة، فحسب قوله «لن يصلح الحكم إلا إن كان الحاكم حكيمًا (فيلسوفًا)، أو أن يصبح الحكيم حاكمًا»، فعلى الرئيس العتيد أن يكون حكيمًا ليخرجنا من جهنم.

مصطفى علوش – نائب سابق

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version