#adsense

الكيان السيّد وصِلَة سمير جعجع به

حجم الخط

لطالما انتظرَ النّاسُ، عندَنا، مَنْ يُرَصِّعُ كلامَه بالوعيِ، فلا يمكنُ أن يكونَ كلامُه تَقطيعاً للوقت، كأولئكَ الحَكّائين ذَوي الخُمولِ والحظِّ المَنكود، الذين يتبارَونَ في التَّلفيقِ، فيَكسدونَ في أسواقِ المصداقيّةِ والقيمة. وهؤلاءِ، مهما راوَغوا، وتلوّنوا، وجَفَّ حَلقُهم في الخِداع، فلن يُستَرَ من مَخازيهم ثِنيَة.

سمير جعجع المُتزَيِّنُ بالوطنيّة، لم يُقَصِّرْ في الإبانةِ والدّلالة، والطَّوافِ على مضامينَ تُعَيِّنُ اتّجاهاتِهِ صوبَ تحديدِ المشكلاتِ التي يبتدعُها جزءٌ من الخارجِ، وآخرُ من الدّاخل، وطَرحِ الحُلولِ التي كان صوتُهُ، فيها، حُرّاً، جريئاً، ولا تَتمُّ الغاياتُ الوطنيّةُ إلّا بها. فهذا الرَّجُلُ المُخلِصُ في مَوَدَّتِهِ الوطنيّة، ينطلقُ، في كلامِه، بعِنايةٍ وتَوازُن، لأنّه ينطقُ من فَيضِ روحِه، ومن إيمانِهِ بأنّ لبنانَ أَصلٌ، حينَ تُدرَسُ درجةُ الوجودِ في الكيانات، فلبنانُ ليسَ طارِئاً، ولا خَطأً تاريخياً تلقَّفتهُ الجغرافيا، بالرَّغمِ عنها. إنّ لبنانَ، في وجدانِ جعجع، من مُعَلِّمي عَمارِ الحضارةِ، في هذا الشَّرق، ومن بَنّائي العيشِ الرّاقي بينَ أقطابِ هذا الأوقيانوسِ المُتَلَوِّنِ الإثنيّات، ومن أساتذةِ الإِسهامِ في تَعميمِ طُعومِ التَّحديثِ، في إقليمِنا الذي يجبُ أن يكونَ شديدَ الحَماسِ إليه.

سمير جعجع من سُلالةِ القادةِ الذين لم يكونوا، في تاريخِ لبنان، إلّا رُوّاداً وطنيّين، تأَصّلَ، في مواقفِهم، الولاءُ للأرض، فكان الوطنُ، معهم، يُنبوعَ نَذائِر. من هنا، لم يرضَ جعجع، أن يتعاطفَ مع السّكوت، وأن يكونَ الوطنُ فاسِدَ الهواء، يعيشُ ناسُه حياةً شائكةً في ظلِّ هاجسِ البقاء، فقدَّمَ له نَبضاتِ إنعاشٍ، لا يَأذَنُ أن تُسلَبَ منه، وهي نبضاتٌ مُخلِصة تُعيدُ الى الوطنِ نَفَسَهُ الجَهير، والى الهويّةِ الوطنيّةِ عزَّها الذي انتُهِكَت حرماتُه على أيدي الطّارئينَ ومَنْ ناسبَهم من التَبَعِيّين البلديّين.

لقد فاتَ الذين استحضروا اتّهاماتٍ تطالُ سمير جعجع، زوراً، القَرابةُ بين المنطقِ العاقِلِ وبينَ انفعالِهم المُبتَذَل. وإذا كان هؤلاءِ من مخَلَّفاتِ الأزمنةِ البدائيّة، تَفَّتهمُ الحضارةُ لنتانتِهم، ولأنّ عِلمَ الأخلاقيّاتِ الذي يَردعُ شهوةَ التّجَنّي، والتَّحامل، لا يسري عليهم، فالحكمُ على سلوكِهم الإِدراكيِّ، لن يُحدِثَ أيَّ صدىً.

وبعد، ينبغي وَضعُ بعضِ ما وردَ في كلامِ سمير جعجع، صاحبِ النُّضجِ وفروسيّةِ الخُلُق، في الإطارِ الوطنيِّ الصّحيح، لتَوَغُّلِهِ في صُلبِ الحقيقةِ :

في موضوعِ حياديّةِ لبنان، أو عدمِ التَحَيُّز، تبنّى سمير جعجع، لحمايةِ سيادةِ لبنانَ وكرامتِهِ، الإبتعادَ عن إدراجِ الوطنِ في نظامِ التَكَتُّلات، ما يُجَنِّبُ الشّعبَ والكيانَ الصّراعاتِ المُسَلَّحة، وشَبحَ الحروب، وما يُرجِعُ لبنانَ واحةَ سلامٍ مَنيعةً من أن تُصبحَ دُميةً تُحرِّكُها الجِهاتُ المتصارعة، فتدفعُ الثَّمنَ من أمانِها، وتقدُّمِها، وحمايةِ استقلالِها وسيادتِها. قال جعجع إنّ الإنزلاقَ في أتونِ الصّراعاتِ، والولوجَ في سياسةِ المَحاور، لم يُؤَدِّيا إلّا لمزيدٍ من الخَرابِ، والإعتداءاتِ، والخسائرِ الإقتصادية، والتدَخّلاتِ، وضَياعِ ثقةِ المواطِنِ بالوطن، فيتبخَّرُ الحلمُ بِتحقيقِ مستقبلٍ زاهرٍ في غَدٍ واعِد. وقارنَ بينَ مرحلةِ الحيادِ التي عَبَرَها لبنان، في ستّينياتِ القرنِ الماضي، ونصفِ سبعينيّاتِه، وما رافقَها من أمانٍ وبحبوحةٍ وازدهارٍ، وتمتُّعٍ بالسيادةِ والحرية، وبينَ ما آلَت إليه حالُ الوطنِ، بعدَ وُلوجِهِ القَسريِّ في دائرةِ الإشتباكاتِ الإقليميّةِ، والدوليّة، ولمّا يزلْ، حتى السّاعة، من انهيارٍ شاملٍ، وخَوفٍ من زوالِ الكيان، وما المقارنةُ سوى دليلٍ واضحٍ على أنّ النّأيَ بالنَّفسِ هو أفضلُ الحلولِ لخلاصِ الوطنِ من هذا المأزقِ المُميت، والمصيرِ الأَسوَدِ الذي يتوعَّدُهُ.

في موضوعِ الطّائف، وخاصةً في المادةِ التي حدَّدَتِ المُناصفةَ بينَ الطّوائفِ في تَوَلّي المسؤوليّاتِ الرسمية، أشارَ جعجع الى أنّ الدّستور لم يلحظْ، بتاتاً، الوضعَ الدّيمغرافيَّ والتَّناميَ العَدَديّ، كفَرَضيّةٍ تَغييريّةٍ مُلزِمة، وذلك استناداً الى ميثاقِ العيشِ الواحدِ بين شرائحِ المجتمعِ الوطنيّ. كما أكَّدَ على أنّ الدّستورَ لم يُحَدِّدْ مَآلَ الوزاراتِ الى الجهاتِ السياسيّةِ والطائفيّة، فتُرِكَت على قاعدةِ التَّوافُقِ، وأهليّةِ المُرَشَّحين الى هذه المَناصب. وإذا كان لا بُدَّ من ميثاقٍ جديد، أو ما يُحكى عن اقتراحاتٍ لتعديلٍ في الدّستور، قال: فَلْنَعُدْ، جميعاً، بادئَ ذي بدء، الى كَنفِ الشّرعية، مُتَساوينَ تحتَ حكمِ القوانين، بعيداً عن الإستقواءِ بالسّلاحِ، وبالخارج، ساعتَذاك، لكلِّ حادثٍ حديث.

في موضوعِ العَمالة، ينبغي، أولاً، بحسبِ جعجع، تحديدُ مفهومِ العَمالة، لنصِلَ الى تحديدِ مَن تَنطبقُ عليهم هذه التّهمةُ الشَّنيعة. إنّ الولاءَ هو الطَّرفُ المُقابِلُ المُناقِضُ للعَمالة، والولاءُ يعني الوفاءَ للوطن، والإخلاصَ له، ومناصرتَه، بحيثُ يَشكِّلُ الولاءُ محورَ كلِّ الفضائلِ الوطنية. إنّ الإنتماءَ الى الوطنِ لا يُعتَبَرُ، في الضرورةِ، دليلاً على الولاءِ له، فاقتناءُ بطاقةِ الهويّةِ لا يعني، حتماً، أنّ حاملَها قد نشأَ بينه وبينَ وطنِهِ عقدٌ، أو رابطٌ لا تزولُ بُنودُهُ، بِحكمِ الظَّرفِ أو المصلحة. والعَمالةُ هي، تحديداً، التخلّي عن القيمةِ العُليا المُطلَقَةِ التي تتحكَّمُ في وجدانِ المواطِنِ، وسلوكِه، فيتحوَّلُ ولاؤُه لوطنِهِ الى ولاءٍ رديفٍ لبلدٍ وراءَ الحدود، وهذا ما يُعرَفُ بالخيانةِ العُظمى. من هنا، أكّدَ جعجع على أنّ مَن تَصَدَّعَت منظومةُ ولائِه الوطنيّ، وجاهرَ، في مضمونِ سلوكِهِ، وكلامِهِ، وتَوجيهِهِ، بالولاءِ الى مرجعيّةٍ غريبة، أو دولةٍ بديلة، أيّاً تَكُنْ هذه المرجعيّةُ أو الدّولة، ينطبقُ عليه وَصفُ العَميلِ الخائن. أمّا الإستنسابيّةُ في اتّهامِ النّاسِ بالعَمالة، فهي مردودةٌ، مهما كان خطابُ المُتَّهِمينَ عاليَ النَّبرة.

سمير جعجع، أيَها القائدُ الذي يحتاجُهُ لبنان، هذه الأيام، الناسُ لا يكرهونَ، أحياناً، الآخرينَ لِعُيوبِهم، بل لِمزاياهم، وإذا أطالوا الكلامَ، بِشَطَطٍ، وانفِعال، فذلك دليلٌ على أنْ ليس لديهم ما يقولونه، فهم يعيشون في العصرِ الرديءِ، بحيثُ لن يُقَدَّرَ لهم أن يفهموا حقيقةَ ما ترمي إليه، وما ترمي إليهِ هو خلاصُ لبنان. فإلى أن يأتيَ يومٌ، تتصالحُ ذواتُهم، فيه، مع الوطن، سوفَ يرتَقونَ الى الحقيقةِ الوطنيّةِ التي تورِقُ بأرضِك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل