Site icon Lebanese Forces Official Website

إيران في مرمى طائرات إسرائيل: رسالة إلى الإدارة الأميركية

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1733

لم يعد خبر قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية لأهداف لها في سوريا حدثاً فريداً. بات الأمر يتكرر من دون هوادة، بعدما أصبحت الأجواء السورية مرتعاً للطائرات الإسرائيلية، والمطارات المحلية هدفاً سهلاً لها.

أتى قصف الطائرات الإسرائيلية مؤخراً لمطارات دمشق وحلب وأهداف أخرى ضمن سلسلة من الإجراءات العسكرية المتصاعدة ضد سوريا وحليفها الإيراني. كما في وقت تتكاثر فيه دعوات تل أبيب وتصعيدها الكلامي والدبلوماسي ضد التفاوض الأميركي مع إيران، والتي ترى فيه خطراً على أمنها القومي ونفوذها كدولة إقليمية.

يمكن قراءة العمليات العسكرية الإسرائيلية المتزايدة والمتكررة من ثلاث زوايا. الأولى، هي تلك المرتبطة بحقيقة الدور الإيراني في سوريا، وتشكيله خطراً لا على كيان الدولة السورية وحسب، إنما على ما تراه كل من إسرائيل، روسيا وتركيا مصالح قومية لها. لا مصالح حقيقية لأي من تلك القوى الثلاث المعنية مباشرة بالحرب السورية برؤية إيران ذات مكانة مهمة في سوريا، أو تجسّد سيطرة دائمة على أراضيها تعطيها نفوذاً إقليمياً، وبالتالي تنقِص من نفوذ الدول الثلاث. بسبب هذا الأمر بالذات، تتحمس تركيا سراً لأي قصف إسرائيلي للقوى الإيرانية أو السورية حتى وإن أتى من إسرائيل، كما تُطفئ روسيا راداراتها وأنظمة دفاعاتها الجوية كلما أبلغتها تل أبيب بطلعة جوية فوق الأراضي السورية.

بات الوجود الإيراني عبئاً ثقيلاً على النظام السوري والشعب السوري. لا يتعلق هذا العبء بالتغييرات الديمغرافية التي يقوم الإيرانيون بها في ضواحي دمشق وحماه وحلب، ولا في تكاثر تجّار ومتعاطي حبوب الكبتاغون التي يروجها “حزب الله” في سوريا وحسب، إنما بسبب نيل النظام السوري نصيبه من كل عدوان إسرائيلي جوي. لقد كان المسبب الأساسي للقصف الإسرائيلي الأخير، وصول طائرة قادمة من إيران تحمل أسلحة متطورة للميليشيات المحلية حسب الإدعاء الإسرائيلي، فكان أن دفع النظام السوري، عبر قصف مطاريه، الثمن من أجل منع الطائرة من الهبوط.

الزاوية الثانية هي تلك المرتبطة بضعف الدفاعات الجوية السورية، وبقاء الجوّ السوري سهل الإختراق من أي قوة تملك قدرات جوية. فحيناً تقوم تركيا بقصف بعض المواقع، ثم تقوم إسرائيل بذلك، أو يقوم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بقصف ما يريده من أهداف. فيما لا إمكانية حقيقية للنظام السوري للتصدي لأي من هذه الدول، طالما “باع” مسألة الدفاع الجوي لروسيا وجعلها وصية عليه، و”باع” الدفاع البري للقوى الإيرانية، وملحقاتها العراقية واللبنانية، للدفاع عن البر.

إن دولة لا تملك القدرة الدفاعية عن أراضيها، لا جواً ولا براً، ليست بدولة ذات سيادة حقيقية، بل ملحقة لمن فوضته بحمايتها. هذا الإرتهان السوري لكل من إيران وسوريا، قد كانت دمشق، ربما، مضطرة عليه، إلا أن نتائجه باتت واضحة، وهي تآكل السيادة السورية على أرضها وجوها وحضورها كدولة ساعية للخروج من الحرب.

أما الزاوية الثالثة، والأهم، فهي تجسيد الرفض الإسرائيلي لمسار التفاوض الإيراني الأميركي بشكل عملي. المراقب للخطاب والأعمال الإسرائيلية تجاه مفاوضات فيينا يرى تدرجاً في ردة الفعل والموقف الإسرائيلي. بداية، ومنذ أشهر، كانت ردة فعل تل أبيب رافضة كلامياً لأي توافق إيراني غربي، ثم أطلقت حملة إعلامية، من خلال جماعات الضغط اليهودية في أميركا، ضد التفاوض. تلاها مواقف إسرائيلية متصاعدة على المنابر الدبلوماسية، ثم، مؤخراً، ضربات موجعة للوجود الإيراني في سوريا.

تُكلل إسرائيل رفضها لمساعي التسوية الدولية بلغة السلاح والحرب. هذه المفاوضات، إن أقرت إتفاقاً نهائياً، ستؤدي إلى إعتراف دولي بالدور الإيراني في الإقليم، وتعطيه شبه شرعية وقبول للتمدد في سوريا والعراق ولبنان، وتقرّ بدوره الأساسي في أي مسألة متعلقة بأمن الشرق الأوسط، كما في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. لتل أبيب مصلحة حقيقية ومهمة جداً في إبعاد كأس التسوية ونتائجها عنها، فيما لا يبدو أنها، من خلال أعمالها العسكرية، ستقف متفرجة على أي تسوية دولية تقوّض دورها وأمنها ونفوذها في الشرق الأوسط.

من الجائز القول إن مفاوضات فيينا، حسب ما أثير في الإعلام مؤخراً، قد تعثرت بعض الشيء، أو ربما هي في طريقها إلى التعثر النهائي، بعدما قال الرئيس الإيراني، في 21 أيلول 2022، إن الولايات المتحدة الأميركية “قد سحقت” الإتفاق. إلا أن الأكيد هو أن إسرائيل لن تقف متفرجة أمام أي إتفاق نهائي – بحال حدوثه يوماً – يكون ضد مصلحتها، ومن دون أن تقوم بأي ردة فعل حقيقية. من الممكن القول، إذاً، إن التصرفات الإسرائيلية العسكرية مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالتفاوض الدولي مع إيران، فيما يبدو أن تل أبيب ترى منع التوصل إلى إتفاق أقل كلفة عليها من محاولة تجنّب أثاره بعد حصوله، وهذا ما يدفع الكثيرين إلى ترقب تصعيد إسرائيلي خطير في حال إقتراب إمكانية توقيع إتفاق دولي مع إيران.

على عكس إيران الغارقة في وحول سوريا، وقضايا الترسيم الحدودية المعقدة، والتراجع البسيط، ولكن الدائم، لنفوذها في العراق، وتكاثر القلاقل في الداخل الإيراني، يبدو وضع إسرائيل في أفضل حال. جبهة غزة جامدة، الجبهة اللبنانية مستقرة، الدول العربية تتسابق للتطبيع معها، والاقتصاد الإسرائيلي المنتج والمورِد للغاز وشتى الموارد الطبيعية في أحسن أيامه، ولا أحد يستطيع منع (أو حتى استنكار) طلعاتها الجوية في مجمل البلدان المحيطة بها.

في المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها كلاعب أساسي في الشرق الأوسط، ومقرّر مهم في قضاياه المعقدة، وهي لا تستطيع منع أو الرد حتى على الغارات الإسرائيلية على مصالحها في سوريا والمستمرة منذ سنوات. ردٌ تأخر كثيراً، وربما لن يأتي يوماً، بعدما أضحت القوى الإيرانية مكشوفة جواً، وغير محمية من أي ضربات إسرائيلية عندما ترتأي تل أبيب إيصال رسالة إنزعاج إلى الولايات المتحدة الأميركية حول تساهلها وليونتها مع إيران.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​

Exit mobile version